طب وصحة

الإعتداء على الأطباء في السودان ، متى النهاية ؟

شهد العام السابق زيادة في حوادث الإعتداء على الأطباء في السودان ، حيث تزامن ذلك مع بداية انتشار جائحة كورونا في السودان .

كان اشهرها حادثة “مستشفى ام درمان التعليمي” حينما نُقل أحد المصابين إلى المستشفى على اثر تلقيه خمس طعنات بسلاح ابيض (سكين) وبدأ الأطباء في محاولة إسعافه، لكنّه توفى في غضون خمس دقائق من وصوله إلى المستشفى.

وهو ما دفع عدداً من مرافقيه إلى ضرب الأطباء الموجودين في الطوارئ، بمن فيهم مدير المستشفى!

ورداً على ذلك، دخل الأطباء في إضراب عن العمل، وأغلق المستشفى الذي يستقبل يومياً مئات الحالات.

وكذلك حدث ايضاً في مدينة نيالا، التي تعرّض فيها أطباء للضرب بعد وفاة مريضة أثناء إجراء عملية جراحية طارئة لها اعتقاداً من ذويها بأنّ العملية تمت من دون استشارتهم، في حين تبادل الأطباء والأسرة تحريك إجراءات قانونية، كلّ طرف ضد الآخر.

قانون لحماية الكودار الطبية من الإعتداء !

وقفة إحتجاجية للأطباء لسن قانون يحميهم من الإعتداء ، هل القانون هو الحل ؟

تزايد حالات الاعتداء جعل حكومة الفترة الانتقالية تتدخل لتدارك الامر وفي منتصف العام السابق عقد مجلس السيادة الانتقالي ومجلس الوزراء وصادقا على القانون الذي أُخرج بتسمية “قانون حماية الأطباء والكوادر والمنشآت الصحية لسنة 2020” .

والذي ينص على عقوبة السجن عشر سنوات والغرامة بحق كلّ من يعتدي جسدياً أو لفظياً على طبيب أو كادر مساعد، وبحق كلّ من يحطم أثاث المنشآت الصحية أو ينشر معلومة غير صحيحة تساهم في الاعتداءات.

كذلك، نص القانون على إنشاء نيابات متخصصة في قضايا الاعتداء على الأطباء، لضمان سرعة التعاطي معها، على أن يجري تقديم المتهمين لمحاكمات فورية. وبشأن الأخطاء الطبية التي يقع فيها الأطباء، والتي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى الوفاة، والتي كانت تعد جريمة جنائية، فإنّ القانون الجديد منح حصانة كبيرة للطبيب أثناء عمله ومنع تقديمه إلى المحاكمة بشأن خطأ طبي وقع فيه، على أن تجري المحاسبة عبر المجلس الطبي فقط.

مع بداية شهر مارس للعام الجاري شهدت ولاية الجزيرة واقعة اعتداء بشعة لأربعة اطباء في “مستشفى ود مدني التعليمي” من قبل مرافقين لمريضة كانت الاصابة البالغة للطبيب ‏محمد هشام والذي تلقى ضربة في وجهه تهشم على إثرها زجاج نظارته واصاب عينه اليمنى ضرر بالغ قد يؤدي لفقدانها.

ما السبب في تكرار حوادث الإعتداء على المرافق الصحية ؟

أطباء السودان ، من يحميهم من الإعتداء وينتزع حقوقهم ؟

تباينت ردود الافعال في الحادثة الاخيرة في وسائل التواصل الاجتماعي وتبادل كل من المواطنين والعاملين في القطاع الصحي الاتهامات فيما بينهم؛ تظل ظاهرة الاعتداء على الاطباء أو اعتداء الاطباء على المرافقين سواء باللفظ أو الاعتداء الجسدي، فأي كان نوعه أو أي الاطراف ‏هو المتسبب يبقى ظاهرة غير حميدة ومرفوضة تماماً وتعبر عن سلوك غير حضاري في جميع ‏مؤسسات الدولة‏.

بالنظر إلى “قانون حماية الأطباء والكوادر والمنشآت الصحية لسنة 2020” نجد انه كافي ورادع ويقلل الاحتكاك الذي يحدث بين المرافقين والاطباء، ولكن يبدو ان موضوع الاعتداء لن يتوقف لمجرد قانون وان هناك ابعاد لا بد من التطرق إليها وأخذها في الاعتبار:

1- البنية التحتية:

الذي ينظر لحال المستشفيات في السودان يلاحظ بوضوح حجم الدمار الذي لحق بقطاع الصحة كما ان قلة الاهتمام والانفاق الحكومي بالقطاع تعتبر ضئيلة جداً، وينعكس ذلك على صحة المواطن حيث يجد معاناة كبيرة للحصول على خدمة علاجية ممتازة وفي المقابل يجد الطبيب المعالج صعوبة في أداء واجبه نسبة لضعف الإمكانيات وتوفر الاجهزة والمعدات الطبية، بالإضافة لضغط العمل الذي يرجع لقلة المراكز الصحية وتوزيعها في مناطق محددة. وكلما تحسنت البنية التحتية كلما قلت نسبة تلك الاعتداءات.

2- تفعيل القوانين:

اصدار ‏”قانون حماية الأطباء والكوادر والمنشآت الصحية لسنة 2020“‏ الاول من نوعه في السودان لقي اشادة واسعة من رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك ولقي كذلك ترحيب من الكادر الطبي، إلا ان التراخي في تطبيقه يجعله حبر على الورق، وكما اشار بيان “اللجنة التسييرية لاتحاد اطباء السودان” في حادثة الدكتور محمد هشام إلى ان الاعتداء تم امام مرأى ومسمع القوات النظامية (الشرطية) التي كانت بالمستشفى الذين لم يتدخلوا وأكتفوا بالتفرج كما تعلل وكلاء النيابة بعدم فتح بلاغ بموجب قانون حماية الكوادر الطبية؛ تأخير اتخاذ الاجراءات القانونية ضد المتسببين يجعل من السهل اللجوء إلى خيار الاعتداء سواء اللفظي أو الجسدي.

3- إدارية:

لاشك ان مدراء المستشفيات يعانون من النقص الحاد في الكادر الطبي ويرجع ذلك لأسباب كثيرة منها ضعف البنية التحتية وحقوقهم الوظيفية وتوفر التجهيزات اللازمة التي تمكنهم من أداء عملهم، إلا ان تلك العوائق في ظل ادارة جيدة قادرة ان تدير شؤونها بكل يسر وتجعل العلاقة بين الطرفين طيبة للغاية .

فالمواطن يتقبل نقص الامكانيات بصدر رحب عندما يشعر بالاهتمام ويسمع كلمات الاطراء، وعلى الادارة ان تدرس الارقام المتعلقة بأعداد المرضى ونوعية الاصابات بصورة مستمرة ودقيقة واتخاذ قرارات فيما يتعلق بتوزيع الكادر الطبي المناسب وفق تلك المعطيات، بالإضافة إلى أخذ اراء المراجعين وسؤالهم عن المقترحات التي يودون تقديمها والنظر للتقارير التي ترفع من المواطنين والتعامل معها بجدية.

طالع أيضاً :-

4- عادات اجتماعية:

من حق المسلم على أخيه المسلم زيارته عند مرضه وقال صلى الله عليه وسلم ـ :” من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً ” وفي صحيح مسلم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ” حق المسلم على المسلم ست وذكر منها : …وإذا مرض فعده” .

زيارة المرضى من عاداتنا الاجتماعية الاصيلة والمتجذرة فالمريض يجد كل الدعم من اقاربه ومعارفه هذا الدعم قادر ان يخفف عنه مرارة المرض، إلا اننا نمارس تلك العادة دون مراعاة للآداب والشروط المتعلقة بالزيارة، ويكون هناك جمع غفير من اهل المريض حتى تمتلئ بهم جنبات المستشفى وتتعالي اصواتهم مسببين بذلك إزعاج للمريض ولبقية المتواجدين بالمكان، كما ان كثرتهم تشتت تركيز العاملين بالقطاع الصحي أثناء عملهم، وحتى خارج اسوار المستشفى تجدهم في جماعات ويفترشون الارض ويجلسون لساعات طوال.

5- الاحترام المتبادل:

يعمل الطبيب جاهداً في معالجة مرضاه كما ان المرافق يكون اكثر قلقا على صحة مريضه وبين هذا وذاك تحدث بعض التجاذبات ولا يدري أي طرف الظروف التي يمر بها الاخر، كما ان الكثير من المسببات التي تؤدي للاعتداء ليس للطبيب أو المرافق دخل فيها لذلك تفهم الطرفين لبعضهم البعض وتبادل الاحترام فيما بينهم يقلل تلك الاعتداءات. وان كان ولابد فالقانون هو الفيصل.

متى النهاية ؟

الإعتداء على الأطباء في السودان تكرر وسيتكرر ، هل من مخرج ؟

حادثة مستشفى ود مدني لن تكون الأخيرة لأن اسباب وقوعها ما زالت موجودة ، فهي حوادث تكررت وستكرر كثيراً ، اسبابها معلومة لدى الجميع ، والأطباء هم ضحية عدم معالجة هذه المشكلة .

ليبقى السؤال ، متى ستنتهي حوادث الإعتداء على الأطباء في السودان ؟

المصدر
أول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى