منوعات

الإعلام السوداني ، فوضى في المحتوى وابتعاد عن المهام

ما هي أبرز التحديات التي تواجه الإعلام في السودان ؟

تقارير مصورة قام بها الصحفي ايان ستينفز أواسط القرن الماضي بسببها التفت الحكومة الهندية إلى المجاعة التي ضربت إقليم البنغال مما ساعد في حفظ حياة الملايين .

في بيرو استطاعت الصحافة المطبوعة والتلفزيون المحلي دفع الرئيس ” البيرتو فوجيموري” لتقديم استقالته بعد ان كشفت فساده وأعماله الأثمة وعرضت شرائط توضح بيع اصوات مقابل رشاوي مما جعله يخضع ويقدم استقالته .

وربما ليس بعيداً فقبل أسابيع وعن طريق الإعلام البديل دفع النشطاء السودانيون على مواقع التواصل الإجتماعي الحكومة السودانية إلى نفض الغبار عن جريمة مقتل الشاب بهاء الدين نوري في إحدى معتقلات الدعم السريع .

وعلى اثر الحراك تم القاء القبض على قادة وضباط كبار بل والبدء في سن قوانيين تحصر حق القبض على الأشخاص بيد الشرطة فقط إلى جانب ضوابط جديدة لتشريح الجثامين .

قوة الإعلام في بناء الديمقراطية

ما نتحدث عنه هو قوة الإعلام ودوره القوي كسلطة رابعة في الحكم يراقب أداء الحكومات ويعزز من إحترام الدولة والمواطنيين للمؤسسات بالإضافة الى دوره المجتمعي الهام الذي يتطلع به .

طالع أيضا :- السُلطة الرابعة: هل الإعلام الإجتماعي يعيد تعريف مفهوم الإعلام؟

والمثال الأخير هو الذي قادني الى كتابة هذا المقال ، والذي ورغم نجاح الإعلام بصورته البديلة و تحقيق المطلوب إلا أنه يوضح غياب الإعلام التقليدي في السودان وإبتعاده عن أدوراه التي يجيب أن يقوم بها .

الإعلام السوداني !

وزارة الإعلام – السودان

الكثير من القضايا مؤخراً يتم إثارتها عبر مواقع التواصل الإجتماعي والإعلام البديل والذي وفي السنوات القليلة الأخيرة بدأ في أخذ موقع قوي ومؤثر في السودان ، وربما دوره الهام في ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بحكم البشير في السودان يعتبر مثالاً بسيطاً على قوته .

وفي المقابل نجد تراجع في قوة الإعلام التقليدي ( التلفزيون ، الإذاعة ، الصحافة ) وإبتعاده عن دوره كسلطة رابعة للحكم وأدواره المجتمعية والأخرى ويعود ذلك إلى العديد من التحديات التي يتعرض لها هذا القطاع .

ولكن قبل التطرق إليها دعونا نستعرض وبإجاز المناخ الملائم ليتطلع الإعلام بأدوراه والذي يعتبر جزءاً من التحديات التي تواجه الإعلام السوداني .

إستقلالية أجهزة و هيئات البث والتنظيم

في كتاب “ دور الإعلام في إخضاع الحكومات للمساءلة ” والذي أعده عدد من الباحثين والمختصيين في مجال الإعلام الدولي نجد أن هنالك تشديد على ضرورة أن تكون هنالك هيئات بث مستقلة وأجهزة تنظيم بعيدة عن سيطرة الدولة والكيانات الحزبية وأصحاب المصلحة .

ويؤكد أن وجود الهيئات المستقلة سيساعد كثيراً في عملية الحوكمة مما يؤثر تلقائياً وإجاباً على التنمية ويزيد معدلاتها وذلك عن طريق عملها كجهة رقابية على الأقوياء تنهض بالخطوع بالمسائلة والشفافية وتخلق صوت الرأي العام .

إستقلالية الأجهزة تمكن من تحقيق الصالح العام

وليتطلع الاعلام بهذا الدور فيجب عليه وضع هدفه الأول هو الصالح العام والعمل من أجله بعيداً عن الإنتماءات وفتح منابر الحوار والنقاش لجميع أصوات الرأي العام ، وهو ما تستطيع أن تفعله هيئات وجهات التنظيم ” إذا إستقلت ”

والإذاعة والتلفزيون ليست ” موضة قديمة ” كما يقول الكثير ، فرغماً عن ثورة التكنولوجيا التي إجتاحت العالم نجد أن البث التقليدي بالإذاعة والتلفزيون ما زال يحتفظ بمكانته في قمة وسائل الإعلام سواء كان ذلك في الدول المتطورة أو الدول النامية .

كما وحتى مع ثورة التكنلوجيا فنجد أن الإعلام التقليدي وجد طريقاً للتحور داخلها عن طريق البث الرقمي ليزيد من انتشاره وتوسعه .

وهذا يُحتم ضرورة وضع الأسس القوية لعمله و تكوين هيئات بث مستقلة للإعلام يعتبر الخطوة الأولى والأهم في سبيل ذلك .

حرية التعبير والرأي

وهو ما لا يختلف عليه إثنين ، فحرية التعبير والتي تنص عليها العديد من القوانيين والتشريعات تعتبر أهم مناخ يساعد في النهضة بالاعلام .

والكثير من الدول تورد هذا الحق في دستورها القومي وتنص عليه صراحة ، إلا أن التطبيق الفعلي لهذا النص يشوبه الكثير من القصور في عدد من الدول خاصة النامية منها .

وقفة إحتجاجية لصحفيين سودانيين تطالب بحرية الصحافة

ويؤكد الكثير من المختصيين في مجال الأعلام على ضرورة وضع قوانيين وتشريعات إضافية تتعلق بحرية الإعلام وقوانيين القذف ومحاربة الشائعات ليكون القانون بمثابة مناخ أعرض يساهم لنهضة الإعلام .

الحصول على المعلومات

مشكلة يعاني منها الصحفيون والإعلاميون في الكثير من دول العالم ، ويؤكد مؤلفوا كتاب ” دور الإعلام في إخضاع الحكومات للمساءلة ” على أهمية حق الحصول على المعلومات .

وهو ما يساعد في محاربة الشائعات و الفساد واخضاع الحكومات للمسائلة ، هذا بالإضافة إلى ضرورة وضع قوانين وتشريعات تكفل هذا الحق .

إذا فأين الإعلام السوداني من هذا ؟

يرى الكثير من الباحثين و المختصيين في مجال الإعلام أن حقبة عهد الإنقاذ لها نصيب الأسد في السوء والتدهور الذي أصاب الإعلام .

فكان إستغلال أجهزة البث الرسمية وتوجيهها لصالحهم الخاص ، هذا بالإضافة لكبدها المفرض لحرية الرأي والتعبير وتقيدها لعمل الصحفيين والإعلاميين عن طريق المراقبة الإستباقية لجهاز أمن الدولة على الصحف ، ووضع العراقيل الحركية أمامهم وعدم الإفصاح على المعلومات .

وأثر هذه السياسيات التي طبقها نظام حكم البشير تجاه الإعلام جعل الكثير من الكادر الإعلامي المؤهل يختار الهجرة لإنعدام مناخ العمل في السودان مما أضعف جودة المحتوى المقدم .

فهل كل هذا يعتبر سبباً كافياً لتدهور الإعلام السوداني ؟

الإجابة بالتأكيد لا ، فحكم البشير وسياساته تجاه الإعلام قد تم إقتلاعها عن طريق ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بحُكمه في إبريل 2019م.

الثورة السودانية

فالصحافة والإعلام تعيش حالياً عصر الحُرية الذي ربما لم تنعم به منذ إستقلال السودان ، وأصبح هنالك سهولة – ولو كانت قليلة – في الحصول على المعلومات ، وهو ما يُمَكِن من عمل مُحتوى متعدد يتطلع فيه الإعلام التلقيدي بدوره .

غياب للقانون !

فإذا أعتبرنا النقاط الثلاث أعلاه المتعلقة بالمناخ الملائم لنهضة الإعلام نجد وبلغة الدراسة أن الإعلام السوداني أحرز نجاحاً فيما يتعلق بالحريات وهي النقطة الثانية والثالثة .

وزير إلاعلام السوداني : ملتزمون بحرية الصحافة

وهذا النجاح يستوجبه قوانيين وتشريعات إضافية تضمن خلق إعلام حر بلا قيود وتنص على حقهم في الحصول على المعلومات .

فالإعلام السوداني حتى الأن لا يزال يُحكم بالقوانيين التي وضعها عهد الإنقاذ ، بل وهذا الغياب أو عدم التجديد في القوانيين يساعد في خلق المزيد من الفوضى في مجال الإعلام .

سيطرة قائمة !

أما في النقطة الأولى و المتعلقة بإستقلال البث وهيئاته وتوجيهها للصالح العام فنجد الإعلام السوداني يحقق رسوباً ، فغالبية القنوات والإذاعات نجدها تقع تحت قبضة الدولة .

مطالبات بمراجعة ملكية المؤسسات الإعلامية

وبالرغم من عدم سيطرة الدولة بإفراض عليها إلا أن إستقلالها واجب لتتطلع القنوات والإذاعات بأداورها بعيداً عن عملها الحالي والذي – وللأسف – جعلها تحصر تعريف الإعلام كأداة إخبارية فقط .

ليس كافياً لنهضة الإعلام !

قنوات سودانية

فإذا أعتبرنا أننا حللنا مشكلة الإعلام المتمثلة في القوانيين والتشريعات المقيدة للحريات وإستقلال البث وأجهزته ، وقمنا بإلغاء جميع القوانيين المقيدة للحريات وفتحنا جميع أدراج ومكاتب المؤسسات للصحفيين .

بل و جعلنا جميع الأجهزة الإعلامية مستقلة بذاتها بعيدة تماماً عن تدخل الدولة .

ولنفترض أننا قمنا بتجديد جميع الأجهزة والمعدات المتعلقة بهذا القطاع واستوردنا أحدث الأجهزة العالمية .

ولنقل أننا قمنا بتعديلات في الجوانب المتعلقة بالتمويل والتخفيض الضريبي والذي يعتبر أبرز هذه التحديات .

فهل هذا يعني نهضة الإعلام ؟

الإجابة أيضاً هنا هي لا ، فكل المشاكل أعلاه يمكن حلها في وقت وجيز وقصير إذا تحققت الإرادة المطلوبة إلا أن هنالك مُشكلة وتحدي أخر قد يكون أكبر حتى من حرية الرأي والتعبير وإستقلالية الأجهزة وحتى سياسيات حكومة الإنقاذ المبادة .

كادر مؤهل !

مؤسسة تدريب إعلامية تتبع لوزارة الإعلام السودانية

ويتمثل هذه التحدي في التأهيل والتدريب الذي يجب أن يتلقاه الصحفيون والإعلاميون .

فالمتابع للقنوات و الصُحف السودانية يستطيع أن يلاحظ ” فوضى المحتوى “ الذي يُعرض ويقدم ، والذي يعود جزء كبير من أسباب ذلك إلى ضعف الكادر المؤهل ، وهو ما يجب الإلتفات اليه .

فحتى اذا تم سن القوانيين و التشريعات اللازمة لا يمكن النهضة بالإعلام السوداني بلا كادر مهني مؤهل والذي – وللأسف – فقدنا جله خلال الأعوام الماضية بسبب الهجرة إلى الخارج .

ولتأهيل كادر مهني يجب العودة إلى أساس تكوين هذا الكادر وهي المناهج والبرامج التعليمية فالاهتمام بتطويرها وتأهيلها في كليات ومعاهد الإعلام المتخصصة هو الأساس لهذه العملية .

فالإعلام السوداني يتأخر كثيراً ، فهو بعيد عن مواكبة الإعلام العالمي منذ أكثر من عهدين وبعيد عن مواكبة التطور الإعلامي المتمثل أيضاً في دخول التكنولوجيا والإنترنت إلى هذا المجال .

وليلحق بهذا الركب هو بحاجة إلى ثورة في تأهيل المعاهد العلمية و ومناهجها وبرامجها لتواكب هذا التطور .

أولوية من أولويات الدولة

أولوية لبناء الدولة

الطريق نحو النهضة بالإعلام السوداني صعب وليس بالأمر السهل في ظل كل النقاط التي ذكرتها إلا أنه ممكن ، ويكون ذلك أولاً بأن تعرف الدولة أهميته وأدواره .

فهو ليس مجرد وسيلة لعرض الأخبار والمؤتمرات الصحفية ، بل وهو أداة قوية تساعد في عملية التنمية والنهضة ، تراقب أداء الحكومة وتحارب فسادها ، تنهض بوعي المواطن وتُذكي قيمه وتُعزز من إحترامه للدولة ومؤسساتها .

فخلق إعلام قوي سيساعد بالتأكيد في عملية التحول الديمقراطي التي يمر بها السودان ، والفرصة لعمل ذلك ممكنة إذا إهتمت الدولة بهذا القطاع وقدمت له الدعم المطلوب وجعلته أولوية من أولياتها ، وهو ما يأمله الكثيرون وأنا أولهم ، فأما حان وقت النهضة ؟ .

وتتطلب إقامة دولة مثالية يسودها القانون إعلام المواطنين إعلاماً جيداً وإتخاذ القرارات السياسية بطريقة تتسم بالشفافية ، و مناقشة القضايا العامة مناقشة علنية ، وتعدد وتنوع وجهات النظر التي تساعد على تشكيل الأراء وتمحيص الحقائف الرسمية ونزع المصداقية عن أوجه التعصب والتزمت. وتملك وسائل الإعلام بوجه عام على إختلاف أشكالها ووسائطها ، هذه القدرة على الإرشاد والتوعية والإعلام .

اليونيسكو
المصدر
أولثانيثالث

Ahmed Elsir

مجرد انسان ، اختار من الهندسة الكهربائية مجالاً لدراسته ، شغوف جداً بالإعلام ، ومهتم بكل ما يتعلق بالتقنية ، كاتب محتوى عشقاً ومتطوع لدى عدد من المؤسسات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى