مجتمعمنوعات

التلفزيون اللا قومي !

بإمكانيات بسيطة بدأ بث تلفزيون السودان في ستينات القرن الماضي ليستطيع – بعد لاي – من تطوير نفسه و يلحق بركب الفضائيات العالمية خلال تسعينات القرن العشرين .

تلفزيون السودان والذي يتبع للدولة ويعتبر تلفزيونها القومي أصبح ومنذ التسعينات محط متابعة أهل السودان جميعاً في العاصمة والولايات .

فنشراته الإخبارية وبرامجه لاقت استحساناً ورضاً من متابعيه ، فكان محط تفاركهم ومآنستهم وتعريفهم بهذا القُطر الشاسع .

إلا أن المتابع لفضائية السودان في الأونة الأخيرة يستطيع بوضوح أن يُدرك حجم التدهور الذي أصابها ، فلا محتوى يقدم ولا تنوع يُذاع وكل ما يقدم هو أنماط تقليدية لنشرات إخبارية ومناولة إنتقائية لقضايا المجتمع .

تدهور !

قرأت مقالاً قديماً عن تلفزيون السودان للبروفيسور عبداللطيف البوني – وهو أكاديمي وصحفي إشتهر بعموده حاطب ليل الذي يحتطب فيه قضايا السودانيين – ويقول في عرض ذلك المقال :

إعلامنا ما زال إعلاماً سلطوياً مركزياً ، ضيقاً في فهمه ، عاجزاً في تناوله ، إنتقائياً فيما يعكسه !

هذا المقال كُتب – وللأسف – في العام 1998م ! أي قبل أكثر من عقدين والمتتبع لتسلسل الأحداث والتطور في التلفزيون بعدها سيرى الحقيقة التي تبرزت كالشمس وهي أن تلفزيون السودان يحتضر تدرجياً كل عام ! .

والكثير يرجع السبب في ذلك إلى عهد الإنقاذ والذي إستغل التلفزيون بل وكل القنوات الإعلامية لتدعيم بقاءه على سدنة الحُكم .

فكان عدم الإهتمام به وببرامجه وجعله بمثابة قناة إخبارية لا أكثر ولا أقل ، بلا برامج حوار هادف ولا مناقشة للقضايا التي تمس المواطنيين ولا نهضة بوعيهم وثقافتهم وعكس تنوع أرض السودان ولا ولا .

والأسواء في وضعها كقناة إخبارها وجودها كقناة حكومية ! فمنذ عهد حكومة البشير المُقتلعة بواسطة ثورة ديسمبر كان التلفزيون يتوجه في أخباريه وبرامجه إلى إظهار الحكومة كبطل ! تسلط الضوء على إنجازتهم ، تُخفي إخفقاتهم وتتناسى فسادهم .

فكان يظهر القضايا من جانب واحد وهو الجانب الذي يظهر الحكومة بمنظر القوي الممسك بزمام الأمور ، فبدلاً من أن يكون رقابياً على الفساد صار هو نفسه جزءً من الفساد وهل هنالك فساد أكثر من طمس الحقائق ! .

التلفزيون اللا قومي !

جدارية في الخرطوم ترمز على تنوع السودانين

بل والأسوأ من ذلك كله أن التلفزيون إبتعد عن نقل الثراء التعددي في هذا القُطر العريض بالشكل الكافي ، وإن شذ البعض عن هذه القاعدة إلا أن غالب عهد الفضائية ركز على ما يمكن القول عنه التلفزيون الأمدرماني أي تلفزيون الوسط ، فلم يُركز على جنوبه الذي ضاع ولا الغرب الذي تدمر ولا الشرق الذي أقترب من نهايته .

فتركيز الأخبار والقضايا المطروحة تجد جلها لا تشمل ولايات السودان وأطرافه ، قضايا مشروع الجزيرة أو مياه القضارف أو قضايا الغرب التي لا تُحصى ولا تُعد ، ويكون حديثهم عنها إما خبراً قصيراً أو عند زيارة المسؤول من الخرطوم وحينها تتسابق الكاميرات والفضائيات ، ليس لنقل القضية وانما زيارة المسؤول ! .

كما وأبتعد عن تكوين السودان وهو الذي كان عليه تدعيم ثقافة السودانوية ، فالمادة التي يُمكن أن يقدمها هذا السودان من تعدد ثقافي وثراء في العادات والتقاليد والأعراف تجعل لُعاب كل الفضائيات يسيل .

فهنالك الغرب وعادته وأدروب الشرق وفي الشمال نجد تراث المرويين وهناك في الجنوب كان منقو ، فبالتركيز عليها – وهو ما لم يُكن – يمكن تعريفه بالقومية ، وهل هنالك قومية لا تحتوي القُطر كله !

الفضائية ودورها !

عندما جاء مصطلح السلطة الرابعة قبل قرنين والذي قُصد به الصحافة ليشمل الإعلام عموماً بشكله المقروء والمسوع والمرئي ، كان ذلك للدور الهام والكبير الذي يقوم به في تقويم أداء الحكومات ومراقبتها وتوجيها وكشف فسادها وخيباتها .

وكدولة تمر بمرحلة إنتقال وتحول ديموقراطي فهذا يعني وجوب أن يكون الإعلام هو – وبلغة كرة القدم – مدرب هذه التشكيلة التي تبغي تحقيق البطولة وهي الإنتقال بالسودان وأهله من عهود الظلم إلى نور الديمواقراطية والحياة الكريمة ناعماً بالحرية والعدالة والسلام .

ومدربنا هنا هو تلفزيون السودان بوصفه أداة الإعلام المرئي الأولى ، فهو كمدرب يجب أن يُركز على مكامن الضعف في التشكيلة ويُسندها بمن هو أقوى وإن فشل لاعب يخرجه ، يقرأ معطيات المباراة ويَعرف على ماذا يعتمد وأي أسلوب لعب هو الأفضل لتحقيق الفوز . فدوره هو توجيه هذه التشكيلة نحو مجدها .

وليكون ذلك فهو عليه أولاً تطبيق شعارات ثورة ديسمبر في نفسه وهي الحرية والسلام والعدالة ، وذلك بأن يطبق الحرية فعلاً على شاشته وهي حُرية التعبير والرأي ، فيعكس جميع الأراء ويفتح المجال لجميع الأطياف مُؤَمِّناً على ثقافة الحوار البنّاء .

قرأت هنا أيضاً وكان مقالاً للبروفيسور عبداللطيف البوني حين إعتراض أحدهم على أن إتفاقية جوبا للسلام لم تأخذ مكانها من الإعلام ، فكان رد البوني :

المشكلة ليست في الإعلام مطلقاً إنما في القالب الإعلامي فكلما القالب حواري وساخن ، جذب المتلقي (انظروا للبي بي سي ) فهذه الاتفاقية المعنية هناك من تحفظ على بعضها من داخل الحاضنة الحاكمة وهناك من كتب معترضاً على بعض بنودها وهناك من يعترض عليها كلية ومن المؤكد أن الذين وقعوها قادرون على الدفاع عنها فضعوا كل هذه الآراء في الضوء الإعلامي لتتفاعل ، وبتفاعلها يتم الوعي بالموضوع .

فهذا هو دور الإعلام في التوعية بالقضية من كل الجوانب وليس من جانب واحد وهو جانب الحكومة ، وهذا يستوجب أن يحافظ التلفزيون على إستقلاليته وينأى بنفسه بعيداً عن صالح الحكومة وأن لا يكون بمثابة بوق رسمي للدولة وهو حاله للأسف .

طالع أيضا :-

أما عن السلام والعدالة ، فنحن نتحدث عن عدالة توزيع المادة المقدمة نفسها ، فهو ليس قناة إخبارية فقط ، فنحن بحاجة أيضاً إلى جدولة برامج ثقافية ومجتمعية وبشكل كبير ! وأن تسع هذه البرامج كل مُكونات هذه الشعب العريق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه وإلى غربه بكل قضايهم وثقافاتهم وتنوعهم الفريد .

ويكون – بفعل ذلك – قد حقق آخر الشعارات وهي السلام ، سلام التلفزيون مع المواطنيين ومع نفسه ، وهل هناك سلام أفضل من أداء واجبك بالشكل المطلوب ! .

حتى بعد الإقتلاع !

هي عامان منذ زوال حكومة البشير وعهد الجبهة الإسلامية في السودان فما الذي تغير ؟

لُقمان أحمد – مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في السودان

من أرض الديمقراطية جاء يبتغي التغير ! تغيير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لتكون تعبيراً عن القومية السودانية بحق وحقيقية ، هو الأستاذ لُقمان أحمد كبير مراسلي الbbc في أمريكا وحامل لواء التغيير التلفزيوني في السودان ، فهل نجح ؟

قد يتفق الجميع أن عامان لا تكفي لتغيير إرث غرس غرساً في العقول طوال ثلاثين عاماً ، إلا أنها كافية لإظهار مدى المقدرة على التغيير وقراءة المستقبل .

في مجال الحرية ، فالتلفزيون وحتى الأن للأسف ما زال ذا توجه خالص للحكومة ، ففي طرحه للقضايا ما زلنا نجد الرأي الغالب هو رأي الحُكومة فقط ، فلا حوار بنّاء ولا إستصحاب لكل الأصوات الداعمة والمعارضة ، وكأنه بوق فعلاً للحكومة وهو التلفزيون القومي ! .

ما زال – وللأسف – الفساد الإعلامي مستمراً وهو طمس الحقائق وتدعيم موقف الحُكومة وملازمة المسؤولين ونقل حديثهم وأرقاهم التي يقولونها ؛ ألا يجب أن يقوم التلفزيون بنفسه تحقيقاً وإستقصاءًا للقضايا الهامة ونقلها بحقيقتها ؟ ألا يجب أن يسبق التلفزيون المسؤول ويقوم هو بسؤاله بل ومحاورته بدلاً عن نقل حديثه فقط ؟ فللأسف هو دور وواجب غاب ويغيب عن التلفزيون القومي في عهد الحرية وهو دوره الرقابي والتوعوي بقضايا وهموم المواطن .

أما في مجال العدالة وإن بدأ التلفزيون في إحداث تغيير عبر برامج – قليلة جداً – إلا أنه ما زال بعيداً عن هذه العدالة القومية التي نتحدث عنها ، فما زال أطراف هذا القُطر تنأى بعيداً عن شاشته ، وما زال إنتقاء القضايا بعيداً عن التعددية التي يزخر بها السودان ، وكما يصفه الكثيرون ما زال – وللأسف – خرطومياً أم درمانياً بعيد عن قضايا بقية أطياف الشعب السوداني .

ولا سلام بلا حرية وعدالة ، فإن كان هناك عمل قليل في جوانب التلفزيون إلا أنه ليس يحمل أملاً لشعب حالم بشاشة قومية حرة وعادلة مستوعبة لجميع قضاياهم وهمومهم ، مستقلة بنفسها عن الحكومة وأمجداها ، تؤمن على حرية التعبير والرأي وتتطلع بدورها الرقابي والتوعوي في ظل مرحلة إنتقال صعبة يمر بها السودان وأهله .

لا إمكانيات !

وربماً يعلل الكثير على أن عملية كهذه تستوجب دعماً مالياً وفنياً ضخماً وهو ما لا تملكه فضائية السودان .

قرأت عن إحدى الإذاعات في قرية عند سفوح جبال الهيمالايا ، وهي إذاعة تعمل ببطاريات شمسية وإستوديو يُخجل من أن يعرف كذلك ، تبث أثيرها في مجتمع بلا كهرباء ولا هواتف ولا ولا ، إلا أن الإذاعة إستطاعت أن تكون صوتاً للسلام والحوار والديموقراطية في وجه النزاعات والإضرابات التي مرت بها المنطقة ، بل ساهمت في زيادة الوعي المجتمعي وتقليل التفرقة الإجتماعية وسط ذلك المجتمع .

نُحن لا نتحدث عن تقنيات الـ4k وإستوديوهات الجزيرة وغيرها ، نُحن نتحدث عن نقلة في المحتوى المقدم وليس في جودته وتقنياته ، التلفزيون القومي له مكاتب في كل ولايات السودان وبإمكانيته الحالية إذا وجدت التوجيه الصحيح بإمكانها حقاً تحقيق هذه النقلة .

وكما قال بروفسور عبداللطيف البوني قبل أكثر من عقدين ! أن :

لا بد للتلفزيون أن يسعى للذين لديهم إلمام أو إهتمام أكاديمي أو غير أكاديمي بمطلوبات الواقع الإجتماعي السوداني ويستكتبهم ويستفيد من أراءهم .

لنُحضر هؤلاء وليستقل التلفزيون بنفسه ليكون بوقاً للمواطنيين وقضاياهم ، وبقليل من الإمكانيات نستطيع أن نجعلها شاشة قومية تقود إعلاماً حقيقاً موجهاً للصالح العام ، مُؤمِّناً على الحرية والعدالة والسلام التي ذكرناها ، وهو أمر إذا وجد الإرادة سَهُل تطبيقه ، فأما حان وقت النهضة ؟! .

المصدر
الأولالثانيالثالث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى