ثقافةمنوعات

التنوع القبلي في السودان ، من القمة إلى القاع

لطالما كان تعدد الثقافات وتنوعها دليلاً على اَلتَّمَيُّز والرقي ، حيث أخذت الدول تتنافس للتربع على عرش التميز ، ومضت كل منها تعدد مجتمعاتها وقبائلها ، متباهيةً بما لها من ثقافاتٍ وقيم ، إذ أن تنوع وتمازج المجتمعات المختلفة في إطارٍ واحدٍ يجعل من الدولة لوحة زاهية الألوان!

بيد أن السودان لم يدخل المنافسة أو ربما انسحب منها ، ورفض التميز رغم أنه أُعتبر من أميز الدول على الإطلاق ، وأكثرها تنوع عرقي ، فقد تشابكت فيه العديد من القبائل ذات الثقافات المتنوعة ما جعلت منه سابقاً مضرباً للأمثال في الرقي والتقدم.

التنوع القبلي في السودان :-

رقصة الكامبالا ، احدى ثقافات قبائل غرب السودان

العديد من القبائل ذات الأصول العربية والإفريقية تتوزع على امتداد أراضي الوطن الشاسع بين مدنه وقراه المختلفة.

اشتهرت هذه القبائل بالكثير من العادات والتقاليد المختلفة التي شكلت موروثه الثقافي وتنوعه، وجعلت منه مزيجاً من الفنون.

حيث يبلغ عدد القبائل السودانية 570 قبيلة ، تنقسم إلى 57 مجموعة عرقية على أساس الخصائص الإثنوغرافية والثقافية واللغوية، وتتحدث 114 لغة مكتوبة ومنطوقة.

وكل هذه القبائل حديثه التكوين ، حيث يقول المؤرخون إنه ومنذ أمد بعيد كان عدد القبائل في السودان لا يتجاوز الأربع أو الخمس قبائل !

و كانت متجانسة مع بعضها البعض، يجمعها وطنُ واحد يعيشون فيه بأمان ، ونادراً ما يحدث بينهم صراع أو اختلاف بسبب التنافس حول المرعي أو مصادر المياه ، وإذا ما حدث يُحل بسرعة لترجع الأمور إلى سابقتها.

ولكن سرعان ما إمتدت يد الطاغي للإفساد والتدمير ، ويبدو أن الأعداء لم يستطيعوا رؤية السودان ينمو ويتطور ، فأشعلوا الفتن والصرعات بين القبائل واثاروا الضغاين في النفوس، فكان انهيار الممالك (علوه ، المقرة ، سوبا ، مروي ) ، ويتبعه انهيار سنار.

وتابع محمد علي باشا هذه الحرب الشعواء ، حربٌ هادئة حرَّض فيها القبائل ضد بعضها ، وأثار نيران الحروب ، كما نشر مصطلح القبلية والعنصرية بين أبناء الوطن الواحد ففكك الروابط، ودمر العلاقات، وبدأت هوية السودان في التلاشي.

تحسنت الأوضاع قليلاً عند قدوم المهدي إلى أن غادر ، وبعد رحيله وفي عهد عبد الله التعايشي ، تابع العدو هجومه الخفي لتفكيك روابط الوحدة السودانية، وسعي لتشتيت شمل السودانين وغرس بذور الكراهية بين القبائل والمجتمعات.

فَإِمَالَات النفوس حقداً ، ومُسخت العقول وتشوهت الأفكار ، ومع تقدم العمر وإنجاب أجيال جديده اتسعت الفكرة ورسخ مفهوم القبلية والعنصرية في عقولهم ، حتى صار الاخوه أعداء ، وانفصل الجنوب عن الشمال ، وتضاربت الآراء واشتعلت شرارة الحقد في قلوب الصغار والكبار.

التنوع القبلي في السودان نِعَمة أم نقمة؟

نساء من شرق السودان في حولية ” ستي مريم ”

الطبيعي في التنوع أنه نِعَمه وَمَيَّزَهُ للبلاد ، لكننا نرى في السودان أنه وبفعل فاعلٍ انقلبت الموازن وانعكس التنوع القبلي سلباً على البلاد ، حيث أصبح المهدد الأكبر لأمن الدولة واستقرارها وتطورها.

ويبدو ذلك واضح جلياً في ما نراه الآن من صراعات وحروبا بين القبائل في شرق البلاد وجنوبها ومنها انتقلت العدوى إلى بقية الشعب ، مما زاد الضغط على الحكومة الانتقالية وأفقدها الاستقرار ، وبات تركيزها مُنصباً على بسط السلام بين ربوع الوطن.

لقد سقطنا في القاع :

حروب ونزاعات ! هل التنوع القبلي في السودان نقمة ؟!

لقد كان العدو ذكي جداً إذ استقل نقطة ضعف السودان ، وهي تنوعه القبلي والعرقي وقد ساعدته سَوَاعِد سودانية لنيل مُراده ونشر سمومه بين السودانين.

وها نحن الآن داخل دوامةٍ عاصفة لا يعرف لها نهاية ، فقد تطور الصراع كثيراً، وتعددت أساليبه وراح ضحيته آلاف المئات من الأبرياء والمساكين.

طالع أيضاً :-

وهناك العديد من العوامل التي زادت من النيران وغذتها نلخصها في ثلاثة نقاط :

  • غياب التعليم والوعي.
  • الحضور الضعيف للسلطة الرسمية في الريف بعد حل الادراه الأهلية.
  • المناخ السياسي المضطرب وانتشار السلاح بين المواطنين.

سيظل الإرث الثقيل مُحمل في نفوس السودانين عَنَوْهُ، وطريق العلاج طويلاً ووعراً ويحتاج إلى المزيد من العمل والاجتهاد.

ولكن يمكننا أن نقص أجنحة  الفتن، ونهدئ من النار اَلْمُضْمَرَة، وذلك بالوعي ، فهو السلاح الوحيد لمواجهة التخلف القبلي ، وإعادة الهدوء إلى أرجاء الوطن. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى