غير مصنف

الرسائل التي تصل

لم تكن الرسائل يوماً حبراً على ورق، بل كانت أرواح كاتبيها في كل حرف تنزف شوقاً لمن نرسل إليه رسائلنا.

كانت دائماً وأبداً تحمل الحنين، الحب، الشوق، الألم، الفرح، البُشرى، وكنا نفرح بها جميعها، بمجرد فكرة أننا مررنا على بال شخص ما فقرر أن يرسل لنا ” جواباً “!

قديماً كانوا يرسلون الجوابات مصحوبة بتفاصيل الأهل والجيران، فلان خطب، فلا تزوج، فلان رزق بولد، بكل عفوية وحب ندخل من نرسل إليه رسائلنا في كل التفاصيل!! وهو – كما لو كان حاضراَ – يتفاعل معاها جميعها ويرد بالعديد من ” الجوابات ” مصحوبة بالمباركة أو التعزية أو المواساة أو الشوق والحنين!

أتذكر دائماً عندما كنت صغيرة وأنا أراسل إبنة خالتي عن طريق ” الجوابات”، أرسل لها جواباً مع أي شخص مسافر لها، وهي ترد على جوابي بجواب ايضاً مع أي شخص مسافر لي، كنا صغاراً، تحمل رسائلنا شوقنا البسيط الذي نعبر عنه بلغة بسيطة، واسألها عن مدرستها، وتسألني عن مدرستي، طفولتنا وجزء من مراهقتنا حكيناها لبعضنا البعض على الورق!

أحتفظ برسائلها للآن، أعود إليها كلما شعرت بالجفاء تجاه هذا العالم، كلما شعرت بالغربة، كلما تملكني الشوق والحنين لأيام مضت كانت براءتنا هي العنوان، والبساطة نص تلك الأيام وديدنها، لم تكن بعد قد استعمرتنا السوشيال ميديا وزخرفتها! قبل أن تتحول مشاعرنا إلى مجرد وجوه صُفر يسمونها ” ايموجيز”، قبل أن نختصر حبنا بقلب أحمر! قبل أن تفصلنا الشاشات ونحن على بعد ثوانٍ من بعضنا!
قبل كل هذا العالم الزائف! كنا نحضر ورقة وقلم وظرف، وونبعثر أشواقنا على الورق!

قبل سنة تقريباً، أحببت أن أعيد تلك الأيام، وأرسلت لإبنة خالتي جواباً، وادخلته في ظرف أبيض، أحسست بالحرية وأنا أكتب لها! وكأنني أحلق بلا قيد ولا نهاية. كتبت ليها وكأنني أنزف! وتملكني شعور الهِرَم لدرجة كبيرة، أحسست أنني قد هرِمت! وبلا وعي مني وجدتني أكتب لها عن قسوة الحياة وما فعلته بنا الأيام! ولم أسالها عن مدرستها ولا صديقاتها!

لقد كبرنا يا أختي، وكبرت معنا همومنا..

بعد ذلك أصبحت أبحث كثيراً واقرأ في أدب الرسائل، ووجدت العجب! الكثير من الشجن يا إنسان!

تأمل معي قول عبدالرحمن الأبنودي في قصيدة الرسائل – وهي قصيدة طويلة عبارة عن جوابات يتبادلها الزوج ” الأسطى حراجي” مع زوجته “فاطمة أحمد عبد الغفار” بعد سفره إلى أسوان من أجل العمل.

يقول على لسان الزوجة فاطمة :


” زوجي حراجي ..فوصلنا خطابك، شمينا فيه ريحة الأحباب .. ربنا ما يوري حد غيابك” هو مجرد ورقة، ولكنها فيها من الحنين ما فيها معبراً عنه ب ” شمينا فيه ريحة الأحباب”.

وتأمل معي قوله في مقطع آخر من نفس القصيدة عتاب زوجته له لانقطاعه عن إرسال الرسائل فيقول على لسانها :

” شهرين يا بخيل ؟
ستين شمس وستين ليل ؟
النبي يا حراجي لما أطول قلبك
لاقطع بسناني الحته القاسيه فيه”

ويرد عليها زوجها الأسطى حراجي

” سامحيني يا فاطمة على التأخير ..
ولو الورقه يا بت الخال تكفي
لأعبي لك بحر النيل والله بكفيِ
وختاماً ليس ختام ..
بابعت ليكي ولناس الجبلايه ولبتي عزيزه والواد عيد، ألف سلام”!

وما زال في القصيدة ما يروي ظمأ الروح..
رسائل الأبنودي فيها من الحب والشوق والحنين واللهفة ما فيها، كشئ من الماء في صحراء هذا العالم الذي عم فيه الجفاء..

وإن رجعنا للوراء قليلاً نجد المفكر الإسلامي والسياسي العظيم علي عزت بيجوفيتش يشركنا الكثير من الجمال آخر فصل من كتابه” هروبي إلى الحرية ” الذي كان يحوي رسائل أبناءه إليه وهو في السجن!

وكيف أنهم كانو يحكون له في تلك الرسائل عن تفاصيل حياتهم العادية جداً كما لو كان هو بينهم، يخبرونه أن حفيدته قد مشت خطواتها الأولى اليوم، وأن حفيدته الأخرى تنتظره كما لو كانت تعرفه!

يحكون له عما يحدث من أحداث حولهم وتطورات! وعبر هو عن أثر تلك الرسائل في كتابه قائلاً:

” إذا كان الأدب هو هروبي الثقافي [من ذلك السجن] إلى الحرية، فإن هروبي العاطفي كان في تلك الرسائل. لست متأكداً بأن أولادي يعرفون أو أنهم سيعرفون يوماً، ماذا عنت تلك الرسائل بالنسبة لي؟ كنت أشعر في اللحظات التي أقرؤها فيها أنني لست إنساناً حراً وحسب، وإنما إنسان أهداه الله كل خيرات هذه الدنيا “


هكذا كانت رسائل أبناءه له، جعلته إنساناً حراً وهو قابع في السجن!

رسائل دوستويفسكي

واذا انتقلنا إلى الأديب الروسي دوستويفسكي، نجد أنه كذلك قد كتب الرسائل، في كتابين له بإسم الرسائل، بدأها برسالته إلى أمه، ثم أخيه، ثم إختتمها برسائله لزوجته وهو علي فراش الموت!

رسائل أشبه بالقصص القصيرة، فيها بطل أساسي واحد وهو دوستويفسكي نفسه!

ست الدار

وهنا يجب أن لا ننسى رسائل حميد، في قصيدته الجميلة ” ست الدار“، وهي في وجهة نظري ك ” رسائل الأبنودي ” مع اختلاف اللهجة والحال، ومع تشابهه الأحوال والأشواق!

فهي ايضا ” جوابات” يرسلها ” الزين” لزوجته ” ست الدار“، يحكون لبعضهم حالهم وأحوالهم.

يقول حميد في قصيدته على لسان ” ست الدار” :

” ليك يا الزين ود حامد شوقنا
أما بعد ،
المبعوتة المنك .. وصلت
ورُح فكيت الطلب الفوقنا
باقي الدين يا الزين خلصتو
قدر الفاضل .. مصروف راشد والتومات
والجايات من جاي .. لا جاي
كيفن حالك والخرتوم
كيف المصنع والعمال
حالم لسع نفس الحال ؟
وما رقوك سووك باشكاتب ؟
يورينا الله زيادة الراتب “

” ويرد عليها ” الزين ود حامد في جواب آخر قائلاً :

” ست الدار بت أحمد كيفك
جاني جوابك مفتوح شارع
جاني جوابك وانا بتذكر في ناس راشد والتومات
في الشتلات والحالة عموم
ناس حلتنا التحت .. الفوق
الليهم الله وعيشة السوق
ست الدار سامعاني يا اخيتي ومرتي وامي وأم الكل
أنا بندهلك من شارع الله .. فوقي هجير والتحتي بقل
سبي معايا الشردو راجلك .. والحرمونا شوية الضل
سبي الحالة العالة علينا .. حتى احكيلك بالتفصيل “

ويبدآ في سرد ما حدث ليه بالتفصيل كما قال، في جواب تلو الآخر، عسى أن يطيب ذلك ما به من حنين،بلهجة سودانية بسيطة وعذبة جداً..

أدب الرسائل لا ولن ينضب، نبع مستمر بإستمرار الإنسان ومشاعره، بإستمرار السفر واللقاء والحب والفراق والشوق والحنين والشجن وكل ما يحوي القلب،وكلما كان هناك قلب ينبض، فهناك رسائل، تبدأ ب ” بالسلام” وتنتهي ب ” تحياتنا واشواقنا” وتُذيَّل بالتاريخ والتوقيع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى