مجتمع

السلطة الرابعة ما بين الأمس واليوم

كان الإعلام بصفة عامة منذ بداياته منبراً لتعميم المعرفة والتوعية والتنوير ونقل الأخبار، وتطور سريعا ليبدأ في تشكيل الرأي، والإفصاح عن المعلومات، وخلق القضايا، وتمثيل الشعب وتوجيه الرأي العام.

حتى اكتسب مصطلح السلطة الرابعة انسجامًا مع الطفرة التي رافقت الصحافة العالمية منذ ذلك الحين، ليستقر أخيرًا على معناه الذي يشير إلى الصحافة وبالعموم إلى وسائل الإتصال الجماهيري، كالإذاعة والتلفاز ليدل هذا المصطلح على الدور المؤثر للإعلام في حياتنا ومجتمعنا ودولنا.

نشأة السلطة الرابعة ومفهومها

قال المفكّر البريطاني ” أدموند بروك ” في إحدى جلسات مجلس البرلمان البريطاني:

“هناك ثلاث سلطاتٍ تجتمع هنا تحت سقف البرلمان، لكن في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة وهي أهمّ منكم جميعاً”.

فعلى حسب التقاليد السياسيّة إقتضى الأمر على أن يكون هناك ثلاث سلطاتٍ رئيسيّةٍ تحكم أوضاع البلاد وهي:

السلطة التشريعيّة، السلطة التنفيذيّة، والسلطة القضائيّة وعلى حسب أهميتهم جاء الإعلام ليكون رابعهم نتيجة الدور الفاعل الذي تلعبه وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.

الحرية والتقييد”نجاح أو فشل!”

إن الإعلام كسلطة رابعة يختلف عن السلطات السابقة في طبيعة عمله، فهو يتمتع بسلطةٍ افتراضية غير رسميّة، لأنه نتاج أنظمة ديمقراطية سمحت له بالتجول والحرية والحركة.

فبرهن أنه قادر على تغيير الكثير من المسارات الخاطئة في بعض البلدان، وحماية واسترداد حقوق المضطهدين والأقليّات في العالم.

لكنه للأسف الشديد يصبح تابعاً سلبياً مُضللاً يخدم فئة بعينها عندما تُسلب حريّته ويتم تحجيمه من قِبل الأنظمة الدكتاتورية، بغرض إستعباد الناس.

لذلك فشل فشلاً زريعاً في البلدان العربية، فلم يعُد رقيباً على آداء الحكومات ولا يمثل مصالح شعوبها.

التسويق الإجتماعي
الإعلام (الرقمي) البديل

من منّا لم يتابع ثورات الربيع العربي التي قامت في بعض الدول العربية منذ أواخر العام 2010م وإنتقلت إلى عدة دول أخرى.

لقد كان الإعلام البديل (مواقع التواصل الإجتماعي) هو السبب بعد تحجيم السلطة الرابعة، ليصبح القوة المطلقة التي تقود الرأي العام.

فقد وجدت هذه الشعوب ضالتها فيه لأنه لا يمتلك قيوداً أو رسوماً على مستخدميه، فأخذ في الرواج والإنتشار بين الشعوب العربية.

فعلى حسب التقرير الصادر عن مؤسسة هوتسويت الكندية عن العالم الرقمي للعام 2019م ، فقد وصل عدد مستخدمي مواقع التواصل إلى 136.1 مليون شخص أي نحو 53% من عدد سكان الدول العربية.

السلاح الرقمي الجديد

تُشكل وسائل التواصل الاجتماعي نقلة نوعية في عالم الإعلام الرقمي فقد جعلت من العالم قرية متواصلة، خاصة أنها تسمح بإنشاء المحتــوى الإلكتروني وتبــادله (نصــوص، صــور، فيدبوهات، إلخ…) عبر الإنترنت، ولهذا يصفها البعض بأنها تشكل “إعلام العولمة” الذي لا يلتزم بالحدود الوطنية للدول.

لذلك إلتفتت معظم الحكومات المتعاقبة إلى سنّ قوانين وتشريعات للحد من تأثير هذا الإعلام الرقمي الذي أقلق مضاجع الحُكام وأرهق دور السياسة والقانون لتتبع المستخدمين ونفي الأخبار المغلوطة والحد من الشائعات وإنتشارها.

ولكن هذا العالم الرقمي لا يملك حدودا أو مجالا لإستخدامه، فلا يُشترط فيه أن يكون مرتادوه في نفس الدولة أو داخل أراضيها.

التضليل الإعلامي والتأثير السلبي

من قوة فتك سلاح حرية التعبير والرأي عبر هذه المنصات الإجتماعية التي ليس بها رقيب أو حسيب، قامت جهات عده (إرهابية، متطرفة، أحزاب سياسية معارضة، جماعات ذات أجندات،،، إلخ ) بالدخول إلى هذا العالم.

ذلك لتبث سمومها وتنشر فكرها المشوه لتنفيذ مشاريعها التخريبية الساعية لزعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.

لقد وجدت قاعدة عريضة من المتابعين بسبب غياب الوعي لكثير من المستخدمين فغسلت عقولهم كما حدث مع كثير من الطلبة الذين إنضموا لداعش قبل سنوات.

للأسف أيضاً الجهات الحكومية أنشأت وحدات خاصة لها في معظم البلدان العربية لتغيير الحقائق أو تغييب الوقائع حتى لا يثور الرأي العام عليها.

الحل الناجع

قال (مالكوم إكس) :

“وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض. لديها القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء، وهذه هي القوّة، لأنها تتحكّم في عقول الجماهير”.

من هنا أعتقد أن الحكومات لو إتجهت للنظر إلى الرقمنة بطريقة صحيحه وأنها واقع حقيقي لا مناص منه، لأدركت أن الإهتمام بإنشاء منصات تثقيفية تنشر عبرها التوعية بالحقوق والواجبات المجتمعية.

أيضاً، إنشاء مواقع حكومية رسمية تنشر الأخبار الصحيحة، وإنشاء قنوات دورات تدريبة للاستفادة من طاقات الشباب وتدريبهم، لكان أفضل لها لرتق نسيج الأفكار المتمزق وسدّ الفجوة التي بينها وبين شعوبها.

إقرأ أيضاً:

الوعي هو الترياق

علينا بعد أن عرفنا خطورة هذا الغزو الفكري وإمتلائه بالكثير من التضليل والشخصيات المجهولة أو الجماعات المتطرفة،أن ننشر الوعي من منابرنا وأن نوعي من حولنا وأن لا ننشر خبراً قبل أن نتحقق منه عبر المصادر الرسمية، وأن نقرأ إلا لكُتاب نعرف عنهم ونثق في رأيهم.

المصدر
مصدر اول مصدر ثاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى