ثقافةقصص ناجحةمجتمع ريادي

السوداني عبقري الرواية العربية

قد يتسائل الملايين عن هوية الكاتب الذي احتفى موقع قوقل به في ذكرى ميلاده عام 2017م ، وذلك بصورة كبيرة له يمسك فيها أوراقا ويهم بالكتابة.

ليعرف حينها السائلون أن هذه الصورة ل”عبقري الرواية العربية” كما أطلق عليه النقاد العرب دون اي مبالغة.

إنه الكاتب الطيب صالح الذي صور لنا الإنسان السوداني بكامل اختلاجاته في روائع خالدة ك موسم الهجره الى الشمال التي تصنف ضمن أفضل مائة راوية في العالم.

اسمه الكامل الطيب محمد صالح أحمد، ولد عام (1348ه‍-1929م) في إقليم مروي شمالي السودان بقرية دبة الفقراء وهي إحدى قرى قبيلة الركابية التي ينتسب إليها، عاش مطلع حياته وطفولته في ذلك الإقليم.

وانتقل في شبابه إلى ولاية الخرطوم لإكمال دراسته فحصل من جامعة الخرطوم على درجة البكالوريوس في العلوم ثم سافر إلى إنجلترا حيث واصل دراسته في جامعة لندن وغير تخصصه إلى دراسة الشؤون الدولية السياسية.

أما عن حياته المهنية فقد تنقل الطيب صالح بين عدة مواقع مهنية فعدا خبرته في إدارة مدرسة عمل لسنوات طويلة من حياته في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية.

كما ترقى فيها حتى وصل إلى منصب مدير قسم الدراما،وبعد استقالته من البي بي سي عاد إلى السودان وعمل لفترة في الإذاعة السودانية.

ثم هاجر إلى دولة قطر وعمل في وزارة إعلامها وكيلاً ومشرفا على أجهزتها، وعمل بعد ذلك مديراً إقليمياً بمنظمة اليونسكو في باريس،وعمل ممثلا لهذه المنظمة في الخليج العربي.

يمكن القول أن حالة الترحال والتنقل بين الشرق والغرب والجنوب اكسبته خبرة واسعة بأحوال الحياة والعالم.

يشتهر الإنتاج الأدبي للطيب صالح أنه غزير للغاية،ومن أهم الأعمال الأدبية التي قام بتاليفها:

“موسم الهجرة إلى الشمال”

هى رواية وصلت للعالمية ، و التي ذكرت آنفا حصلت على شهرة واسعة دون أعماله الأخرى.

رواية “ضو البيت (بندر شاه)”

وجاء في أجواء الرواية : “النيل والفرات: سرت وراء الصوت فى جوف الظلام وأنا لا أدرى هل أنا أسير إلى وراء أم إلى أمام.

كانت قدماي تغوصان فى الرمل، ثم أحسست كأنني أسير فى الهواء، سابحاً دون مشقة، والأعوام تنحسر عن كاهلى، كما يتخفف المرء من ثيابه.

ارتفعت أمامى قلعة ذات قباب عالية، يتوهج الضوء من نوافذها.. ارتفعت كجزيرة سابحة فى لجة، وصلت الباب يحدونى الصوت، فإذا حراس تمنطقوا بالخناجر.

فتحوا الباب، كأنهم ينتظرون مقدمى، وسرت وراء الصوت فى دهليز طويل، ذى أبواب، على كل باب حرس، حى انتهينا إلى قاعة واسعة مضاءة بآلاف القناديل والمصابيح والشموع..

وكان فى صدر القاعة، قبالة الباب، منصة مرتفعة، عليها عرش، كرسى عن يمين وكرسى عن شمال وعلى الجانبين وقف أناس طأطأوا رؤوسهم..

كان المكان صامتاً، لا كما تنعدم الضجة.. ولكن كأن النطق لم يخلق بعد ،تبعت الصوت حتى وجدت نفسى مائلاً أمام الجالس على العرش، وجه ناعم السواد مثل المخمل، وعينان زرقاوان تلمعان بمكر كونى..

خيل إلي أنني رأيت ذلك الوجه من قبل، فى عصر من العصور، وقال الصوت “أهلاً وسهلاً بابننا محيميد” الصوت ذاته الذى نادانى من قبل، وجاء يحدونى إلى هنا.

صوت جدى لا مراء فى ذلك، والوجه وجه بندر شاه، يا للعجب، ومرت بى لحظة إدراك سريعة، عابرة، عرفت فيها كل شيء، كأننى فى تلك اللحظة فهمت سر الحياة والكون، ولكنها ضاعت كما جاءت، ولم أعد اذكر شيئاً.

ما عدت اذكر ألا الاسم السحرى، بندر شاه، ونظرت فإذا الجالس عن يمينه نسخة أخرى منه كأنه هو، وفهمت.

رواية “عرس الزين”

عرس الزين رواية عربية معاصرة، كتبها الروائي الطيب صالح عام 1969م، وتعتبر كتاباً كلاسيكياً فى الأدب العربى، يصور الكاتب حياة القرى فى شمال السودان المتأثرة بالتراث الإسلامي والسوداني .

زين مغفل غريب الأطوار لكنه محبوب من الجميع على الرغم من منظره المخيف، يعيش حياة بسيطة مليئة بالضحك والفكاهة والجنون.

يقع الزين فى حب نعمة، وهو أمر فاق توقعات القرويين، وفى في عام 1976م تم تحويل الرواية لفيلم بنفس العنوان.

قصة “نخلة على الجدول”

هي قصة قصيرة وفيها نزعة دينية، حيث تلقي الضوء على شخصية الفرد الريفى البسيط، الذي يتوكل على الله حتى يتم الفرج، وموضوع القصة :

تطرح هذه القصة واقع السودان، وبيع محصول التمر واعتبار نخلة” الأساسف” هي الأكثر حملا للثمار، وفي ظل هذا الواقع عاش الشيخ محجوب فقيرا، وتحول إلى غني بعد زواجه.

رزق بفتاة أسماها “أمنة” لكن قدوم الجفاف غير من طبيعة الحياة، ومن طبيعة المحصول، ووجد الشيخ نفسه فى أزمة والعيد مشرف على القدوم.

لكن وصول ابن الشيخ فى آخر لحظة سيغير من طبيعة الأزمة، وعودة الفرح إلى قلب الأب الحزين الذى سيحصل على خروف العيد.

كتاب “منسي، إنسان نادر على طريقته”

منسي إنسان نادر على طريقته كتاب للطيب صالح نشر فى أول الأمر على حلقات فى مجلة المجلة فى لندن ثم جمعت الحلقات لاحقاً ونشرت فى كتاب.

يتعرف الطيب صالح على صديقه الراحل منسى القادم من صعيد مصر، منسي يحمل عدة أسماء وتتميز شخصيته بالعيث وعدم المبالاه.

ولكن تلك السمات الشخصية التى امتاز بها توصله إلى أماكن متعدده، وتضعه فى مواقف محرجة، وتجعل منه نجماً بشكل من الأشكال، وذلك ما يرويه الطيب الصالح فى هذا الكتاب.

كتاب “خواطر الترحال”

خواطر الترحال مع الطيب صالح الذى تعتقت أفكاره فى الغربة واختلطت ملامحه السمراء بتلك الملامح المكتسبة التى أضفتها عليه سنوات الترحال والهجرة.

تجارب الحياة الواسعة التى يسطرها فى هذه المقالات تجسد فهمه للحياة وشؤونها وللسياسة وهمومها وهؤلاء الأشخاص الذين يخيل للقارئ أنه هم.

يجسدون جزءاً من تاريخ الرجل الذى استطاع أن ينفد إلى الأعماق وهو يتحدث عنهم، باحثاً عن أمل فى هذا الزمن القلق الذى تنتهى فيه أشياء وتبدأ أشياء.

والمجموعة رغم أنها عبارة عن خواطر سجلها مؤلفها في فترات متباعدة إلا أنه وبأسلوبه الآخاذ تمكن من جعلها تبدو وكأنها مزيج واحد جمع بين لغتي النثر والشعر التي تميزت بها كتابات الطيب صالح.

استحوذ الكاتب السوداني الطيب صالح خلال حياته وبعد مماته على مكانة لدى محبي أدبه لم يسبقه إليها روائي عربي آخر وتتجلى هذه المحبة في جائزة الطيب صالح للابداع الروائي.

جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي

هي جائزة أدبية ينظمها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي-امدرمان تخليداً لاسم الأديب السوداني والعالمي الطيب صالح.

اعتبرها المهتمون في الشأن الثقافي في السودان من أهم الأحداث الثقافية،بدأت دورتها الأولى في العام 2003م.

ومن أهم أهداف الجائزة:


لفت الانتباه لحركة الرواية السودانية وماحققته من تجارب ناضجة فنياً وجماليا.


كسر حاجز العزلة والتعتيم الإعلامي اللذان خيما طويلاً على الابداع السوداني.


تحفيز ناشئة الأدباء والكتاب للتعاطي مع فن الرواية (بجدية أكثر)بما تعود فوائده لجهة تطوير الأداء وقوة النص الإبداعي.


رفد حركة الكتابة الروائية في السودان بزخم جديد يسهم في زيادة الإنتاج من حيث الكم والكيف.


تكريم المبدعين الروائيين وتوثيق الصلات الثقافية مع المنظمات والهيئات المماثلة إقليمياً وعالمياً.


تتكون لجنة التحكيم لهذه الجائزة من ثلاثة محكمين من ذوي الاختصاص والنزاهة للنظر وفحص الأعمال الروائية المقدمة للمسابقة بسرية تامة وتسمية العمل الفائز،والتنويه بالأعمال المميزة الأخرى وهي تمارس عملها بكامل الحرية.

كما يحق لها حجب الجائزة إن لم يتوفر المستوى المطلوب.

الأعمال وكل الروايات التي فازت بالجائزة قد تمت طباعتها في كتب منتظمة الصدور،بالاضافة إلى طباعة بحوث المؤتمرات العلميه للرواية السودانية المصاحبة للجائزة.

إضافة لجائزة الطيب صالح للابداع الروائي هناك أيضاً جائزة الطيب صالح العالمية للابداع الكتابي ف الأولى بدأ التاسيس لها في حياة الأديب العالمي الراحل والثانية بدأت بعد وفاته في فبراير 2011م التي تقدمها شركة زين للاتصالات المتنقلة.

فعاليات الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي

لقد كتب عن أعمال الطيب صالح الروائية الكثير،ولكن أنه من بين أعماله نالت روايته موسم الهجره الى الشمال شهرة مدوية ولا احد يعرف السر وراء هذا النجاح.

هل طبيعة موضوعها الشائك الذي يجدد السؤال عن مواجهة الشرق والغرب أم مضمونها الجريء الحافل بضرب جميع المحرمات؟

فضلا عن تقنياتها الفنية الرفيعة وسرديتها العذبة التي يندر أن تتكرر، أم أن عمق معرفة المؤلف باللغة العربية أعطاها سحرا لا يقاوم شمل بطلها “مصطفى سعيد” الذي خلده الأدب كما خلد “عطيل” بطل شكسبير.

أكثر من هذا تعرضت في بلدان عربية عدة للمنع بسبب مضمونها الجريء واتهمتها حكومة الرئيس السوداني المعزول عمر البشير قبل 20 عاما بـ”الاستهزاء بقيم المجتمع السوداني، وعجزها عن نقل صورة واقعية وأمينة لملامح الحياة في السودان“.

والمفارقة اللافتة أن الرواية صارت رغم كل مزاعم المنع والرقابة نصا مركزيا في الأدب العربي عموما وفي الأدب السوداني الذي لا يزال مبدعوه يسعون للتحرر من أسطورة الطيب صالح الذي كان يزعجه جدا اختزال الأدب السوداني في شخصه.

وبسبب طبيعته المتواضعة كان يقول:

“إني لا أستحق.. صدقوني إنني أتمنى ذلك؛ لأنه ليس تواضعاً مزيفاً بل هو إحساس صادق، وإنني لأدهش حين يطلب مني الناس أن أتحدث لأني لا أجد شيئاً جديداً أقوله.

لقد كتبت أشياء لكن لا أحس بأن لي حكمة أمتاز بها عن بقية خلق الله، وقد عشت في بيئة في قرية من قرى شمال السودان، كنت أظن كل الناس أكثر حكمة مني، أهلي.. أعمامي، أخوالي، أبناء عمي.

نحن ننتمي إلى بيئة زراعية وجزء من أهلي رجال دين وعلم، ظللت أحس هذا وأنا أتعلم هذا التعليم المدني، ففي كل زيارة لأهلي أشعر والله أن أي مزارع في هذا البلد أكثر حكمة مني، ولذلك ظللت أسير في الدنيا بهذا الإحساس”.

إقرأ أيضاً:

ومن عرف صاحب “مريود” كان يدرك أن السر الحقيقي فيما ناله من شهرة يتعلق بزهده الذي كان زهدا حقيقيا وسعيه الدائم للعيش ببساطة رغبة في النجاة من “محنة الكتابة“.

لذلك ورغم إلحاح الجميع تجنب التورط في كتابة “سيرة ذاتية” على الرغم من اتساع عالمه الإنساني وخبراته التي تعدد في العمل داخل مؤسسات دولية أبرزها منظمة اليونسكو وانتقاله بين عواصم عدة منها لندن وبيروت والقاهرة والدوحة والرياض، فضلا عن تجواله الدائم وسفره الذي لم يتوقف.

وطوال مسيرته صنع أسطورته التي لم يتشابه فيها مع أحد أو يتصارع مع أحد، فلم تكن له انتماءات سياسية تعوقه عن الانخراط في الحياة رغم امتلاكه لمواقف واضحة تجاه قوى الإسلام السياسي أعلنها في مقال شهير كتبه مع وصول حكومة الإنقاذ إلى السلطة في السودان كان عنوانه “من أين أتى هؤلاء“.

ومع ذلك لبى في سنواته الأخيرة دعوة نظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير للمشاركة في فعاليات “الخرطوم عاصمة للثقافة العربية” وقفز فوق هذا التناقض.

وقبل أن تطلق جائزة للأدب تحمل اسمه منحازا لرغبة قاومها نصف قرن لاستعادة العلاقة مع وطنه وناسه كأنه أراد قبل أن يمضي في عام 2009م استعادة سيرة بطله “مصطفى سعيد” وحلمه الدائم في العودة إلى الجذور.

يكتب البعض ليخلد في التاريخ الأدبي،ويكتب البعض تاريخاً ادبيا كاملاً ،ويكون علامة فارقة في مسيرة الفن والأدب،لما أضاف إليه بوعي وبصدق شديدين.

بل يكون علامة على وطنه كله،ويذكر إسمه بمجرد الحديث عن هذا الفن هناك،ومن هؤلاء الروائي السوداني الطيب صالح⁦.

لقد كتب عن أعمال الطيب صالح الروائية الكثير ،ولكن بالرغم من كثرة ما كتب فلا تزال هذه النصوص الروائية قابلة للقراءة وللمزيد من التأمل.
هل قرأتم له من قبل؟! شاركونا أهم ماقرأتم له..

المصدر
مصدر اول مصدر ثانيمصدر ثالثمصدر رابع

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى