منوعات

السودان البلد ” الفقير “

عبارات مثل "أغنى الدول الأفريقية ” و ” سلة غذاء العالم ” مجرد أكذوبة ، فالسودان بلد فقير !

في قلب قارة أفريقيا يقع قُطر ، مُتعدد الأعراق والثقافات ، أُطلق عليه ومنذ القدم أرض السود ، أسموهُ السودان .

منذ حضارات كوش ومروي ، مروراً بالممالك المسيحة ثم الإسلامية ، كان السودان محط أنظار جميع دول العالم .

أجمعوا على أهميته لما له من موارد وإمكانيات تؤهله ليصبح من أقوى دول العالم ! .

ثروات حيوانية ومعدنية ، مناخ إستثنائي متدرج من الشمال و إلى الجنوب والأهم من كل ذلك أراضي خصبة للزراعة تكفي لسد حوجة العالم من الغذاء ! .

أرقام !

ثروات متنوعة !

700 ألف كيلو متر مربع ! هذا هو أول أرقامنا اليوم ، تقريبا هذا الرقم يعادل مساحة فرنسا ، إيطاليا مرتين ، يقارب لمساحة المغرب ، ولِنقُل تسع مرات مساحة الإمارات العربية المتحدة ! .

هذه هي مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان والتي تقدر بحاولي 175 مليون فدان وفقاً لوكالة الأناضول ! .

من أكبر الدول عالمياً – Top Five – إنتاجاً للفول السوداني والذرة والسمسم والقائمة تطول ، والدولة الأولى في إنتاج الصمغ السوداني للعالم ! .

لم ننتهي بعد

ثروة حيوانية مليونية ! ، أكثر من مئة مليون رأس من الماشية ترعى في مساحته الشاسعة والتي تقدر بأكثر من مليون وثمانِ مئة كيلو متر مربع ! .

ما نتحدث عنه هو 30 مليون رأس من الأبقار ومثلها للماعز وما يقارب الـ40 مليون رأس من الأغنام ، ليستحوذ بهذه الثروة على أكثر من 30% من الثروة الحيوانية في الوطن العربي ! .

وللقصة بقية

1550 ” هو رقم قد يبدو قليلاً في بادئ الأمر ، إلا إذا أخبرتك أن هذا الرقم هو إحتياطي الذهب الموجود في السودان بالأطنان ! فهنا تاتي الصدمة والتعجب .

والذهب ليس كل شئ ، فهنالك الفضة والبلاتين ، الزنك والنحاس والرصاص ، الحديد والمنجنيز والكروم وغيرها الكثير من المعادن التي تتوفر في أرض السودان بكميات كبيرة ! .

حسناً نكتفي بأخر أرقامنا وهو الرقم” 6 ” ونربطه بالبترول لنقول أن إحتياطي النفط الموجود في السودان والقابل للاستخراج والاستخدام يقدر بستة مليارات برميل ! تجعله من الأغنى عالمياً بالذهب الأسود ! .

هل أخبركم عن المياه التي تجري فيه ! عن الأمطار التي تهطل وكميتها ؟ عن مناخ السافنا الغنية والفقيرة ! أم عن مناخ البحر الأبيض المتوسط في شرقه ! .

ما زكرناه هو قليل من كثير تحتضنه أرض السودان ، إلا أنك ربما تتسائل الأن :

عنوان المقالة ” السودان البلد الفقير ” وبعد ما قمت بسرده من أرقام فأنت تتحدث عن دولة غنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، فعن أي فقر تتحدث ؟

أرقام على الورق !

ما يقارب نص سُكان السودان تحت خط الفقر

نعم جميع ما زكرته من أرقام في الأعلى هي أرقام حقيقية وموجودة فعلياً في السودان ! إلا أنه لا يشعر بها أهل السودان أبداً ، بل أن السودان بعد كل تلك الأرقام يعتبر من أكثر البلدان فقراً في العالم ! .

إنعدام للسلع وانهيار للعملة الوطنية ( الجنيه السوداني ) وسط فوضى في الأسعار ما جعل التنمية تغيب عن ذلك القُطر الغني إسماً ، الفقير فعلاً .

إحتياطي الذهب الضخم ذلك ، يستخرج منه سنوياً ما متوسطه مئه طن فقط ولا تدخل كلها خزينة الدولة ! .

بتروله إستقر في باطن الأرض ولم يستطع أن يقدم أكثر من نص حاجة سكانه اليومية من النفط .

أراضيه الصالحة للزراعة والتي تقدر بمساحات دول يُستغل منها نصفها فقط ، أما ثروتها الحيوانية فلا تدخل المطلوب منها إلى خزينة الدولة .

بل أن دولة كالسودان بالرغم من كل ما تملكه تعتبر دولة مستوردة ! فهي تستورد ما تستطيع إنتاجه في محاولة لسد حوجة السكان من الغذاء .

” فقر و جوع ” هما حديث الشارع في السودان وحال الغالبية الُعظمى من سُكانه ، في دولة يقع أكثر من 40% من سكانها تحت خط الفقر . بربكم ! أليست هذه دولة فقيرة ؟ .

ما يُحدث في السودان جعل كثيرين يعتقدون أن عبارات مثل ” أغنى الدول الأفريقية ” و ” سلة غذاء العالم ” مجرد أكذوبة ! ولهم الحق في ذلك ، ولكن كيف وصل الحال إلا هذا ؟ .

سوء إدارة !

رؤساء السودان السابقون

إذا قمت بالسؤال عن السودان قديماً ستجد الكثير من المدح ، سيخبرونك عن بلد متقدمة ! ، حياة جميلة ، تطور عمراني وما إلى ذلك .

هنالك أقوال تقول أن السودانيين قد فشلوا في إدارة دولتهم وهو أمر يتفق عليه الكثيرون .

بريطانيا العُظمى عندما قامت بغزو السودان وإستعماره في العام 1898م ، كانت ترغب في الإستفادة من كل ما يملكه السودان ليساعدها في ثورتها الصناعية .

لتقوم بذلك كان لا بد من تهيئة السودان نفسه ، فقامت بعمليات تنمية في المناطق الحيوية التي ستستخدمها ، سكك حديد ومباني ، سندت قوانين وتشريعات لتنظيم العمل وبدأت في إستعمار السودان .

كانت تعلم ما عليها فعله لتصل إلى غياتها ، والإرقام التي حققتها تؤكد أنهم أحسنوا إدارة السودان لمصلحتهم ، إلى أن جاء الاستقلال معلناً حُكم السودانيين .

” أريد أن تكون أبوظبي مثل الخرطوم “

هكذا قالها حاكم الأمارات ومؤسسها الشيخ زايد ، والغريب في الأمر أن هذا الحديث كان في أوائل عهد الرئيس السابق جعفر نيمري ، في فترة كان يعيش فيها السودان فترة إقتصادية صعبة كالعادة ! .

طالع أيضاّ :-

المتابع لدخل وإيرادات السودان منذ إستقلاله وحتى الأن سيلاحظ إنخفاضاً تدرجياً يحصل كل العام ، فكل موارد السودان يتذبذب انتاجها ويقل عاماً بعد عام .

والفول السوداني خير مثال على ذلك ، فوفقاً لتقرير للأمم المتحدة نشر في العام 2013م ، أن انتاج السودان من الفول السوداني ومنذ تسعينيات القرن الماضي وحتى أوائل العقد الاخير قد شهد انخفاضاً ملحوظاً .

انتاج السودان من السمسم والفول السوداني – تقرير لبرنامج الامم المتحدة

ويُعذي التقرير ذلك للسياسات الحكومية ، وذكر أن السبب الاساسي في التوتر الذي أستمر لفترة طويلة في السياسيات الزراعية في السودان هو المفاضلة بيت الاستثمار في أنظمة الري المملوكة للحكومة الاتحادية وقطاع الزراعة شبه الألية ، مقابل الاستثمار في القطاع الزراعي المطري التقليدى الذي يعتمد عليه أغلب السكان في سبل كسب عيشهم .

ويعلل التقرير ذلك أيضاً إلى عدم الاستثمار في البحوث الزراعية مما جعل الخدمات التي تقدم للقطاع الزراعي ضعيفة جداً .

ففي العام 2006م وعلى الرغم من أن الاسعار العالمية للفول السوداني كانت مرتفعة جداً إلا أن انتاج السودان ظل منخفضاً ولم يستطع تحقيق الفائدة في فترة كان بإمكانيه اجتياح السوق العالمية.

السعر العالمي للفول السودان – تقرير لبرنامج الأمم المتحدة

ويذكر التقرير ان أهمال الزراعة عموماً في فترة إنتعاش النفط إلى جانب إهمال سياسات التسويق وأولويات الانتاج و التصدير وحل مشاكل المزراعين والتمويل والترحيل والبنية التحتية كلها عوامل أثرت على انتاج السودان .

وهذا التقرير وغيره من التقارير الاخرى في مختلف منتوج السودان تُعزي كل اسباب الفشل الى الحُكومة في السودان ، وهذا أن دل إنما يدل على ضعف السودانيين على رأس السلطة في إدارة هذه الثورة ، وربما أبرز ما يظهر هذه الفوضي هو القرار الذي صدر بوقف صادر الفول السوداني في العام السابق والذي أفقد السودان ريادته في هذه المحصول .

ومن طرائف الأمور أن قطراً كالسودان ينتج كل أنواع الحبوب الزيتة يستورد سنوياً كميات ضخمة من زيوت الطعام ، بل ويزيد استيرادها سنوياً ! ، من الملام إذاً ؟

استيراد السودان لزيوت الطعام – تقرير لبرنامج الأمم المتحددة

غياب العقل الاستراتيجي

إذاً فسوء الإدارة والتخطيط قاد إلى ضياع هذه الثروات ، وفي هذا يقول البروفيسور محمد حسين أبوصالح وهو أحد علماء السودان في مجال التخطيط الاستراتيجي :

( أنّ أزمتنا بدأت في عام 1956م فقد كان هنالك فكرة وطنية ” بريطانية ” ، مصالح معينة وغايات وأهداف إستراتيجية لبريطانيا ، ففي 1/1/1956م خرجت هذه الفكرة البريطانية ولكن – للأسف – لم تحل مكانها الفكرة الوطنية ” السودانية ” وسبب ذلك غياب العقل الإستراتيجي ) .

ويقول : ( إن عدم وجود العقل الإستراتيجي في الدولة له علاقة مباشرة بضعف الرؤية الوطنية وغياب المصالح الوطنية. فلا زال السودان – منذ إستقلاله ” دون رؤية تحدد مصالحه الوطنية والتي تأتي عادة في شكل وثيقة مفصلة ، وهي الوثيقة الأكثر أهمية من الدستور .

فالدستور يحمي هذه المصالح الوطنية ويؤسس لها ويحميها، لذلك فهي وثيقة سابقة للدستور في مسيرة بناء الدولة الناجحة، وبالتالي فإن غياب الرؤية والمصالح الوطنية التي تعبر عن الدولة ككل، قاد للآتي :

أن نظل دون إرادة وطنية قوية لأننا ببساطة لا نعرف ماذا نريد، وأعني هنا ماذا نريد كدولة، ماذا نريد كشعب، لا كحكومة ولا كحزب ، وقديما سُئِل الزعيم الصيني ما عن المعنى الحقيقي للقوة فأجاب، القوة هي أن تكون هناك رؤية واحدة لشعب بأكمله ) .

فلأكثر من ستةٍ وستين عاماً كان الفشل في إدارة موارد هذه البلاد وإستغلالها لمنفعة أهل السودان ، فبدلاً عن الإنشغال بوضع الخطط والإستراتيجيات العملية لنهضة السودان كان الإنشغلال بكرسي الحُكم في القصر الجمهوري وفي سبيله يكون الدم أحياناً .

ما يُهرب من الموارد يتجاوز نصف الانتاج !

مليارات الدولارات تضيع نتجة التهريب ، والذهب هو الضحية المفضلة .

السبب الثاني والذي يؤكد لنا تماماً الضعف في إدارة هذه البلاد هو التهريب الذي طال جميع موارد البلاد من ذهبها ومعادنها حتى رمالها الذهبية ! .

ففقي تقرير أعده موقع ميدان التابع للجزيرة الإعلامية ذُكر أن المهرب من الذهب في عام ( 2018م ) بلغ أكثر من 75% من إنتاج ذلك العالم ! .

وسبب ذلك بالاضافة للضعف الإداري هو الفساد وسيطرة النافذين في الدولة والقادة العسكريين على هذه الصناعة وإحتكارهم لها ! .

كما ذكر التقرير أنه في عام ( 2015م ) بلغ إنتاج السودان من الذهب ( 70 طناً ) في ذلك العام ، وفي نفس العام تقدر الكمية التي تم تصديرها عبر الخطوط الجوية إلى الأمارات العربية المتحدة ” 102 طن ” ! ولا أظن أنكم تحتاجون إلى شرح أوسع .

فهذين العاملين كانا ولا يزالان السبب الأساسي في ضياع ثروات السودان الضائلة ، فحتى الحديث عن تأثير العقوبات الإقتصادية الأمريكية التي فرضت على السودان في تسعينيات القرن الماضي ليس كافياً لتبرير هذا الفشل .

فقبلها كان التدهور ولربما من الغريب أنا بعدها وخلال السبع سنوات الأولى كان هناك تطور وتنمية ورؤية لمستقبل وإن كانت قصيرة ، إلا أن الفشل قد قاد لإنفصال الجنوب فحلت الكارثة .

هل هنالك فرصة ؟

رئيس الوزاء السوداني عبد الله حمدوك / حكومة إنتقالية جديدة ، فهل تصحح المسار ؟

سوء الإدارة والتخطيط وحُب السلطة ، الفساد، التهريب وغيرها الكثير كلها عوامل أثرت سلباً على انتاج السودان وأساسها السبب الأول ، فإذا حُل وتم معالجته فلربما نجد المخرج .

ما نتحدث عنه هو رؤية وطنية خالصة لإدارة هذه البلاد ، خبراء في التخطيط و الإدارة يقومون برسم الطريق نحو سودان 2035م مثلاً ، إرادة وطنية تكون بعيدة كل البُعد عن طمع السلطة ، تنفذ هذه الخطط والإستراتيجيات ، فإذا تغيرت الحُكومات يظل الجوهر ثابتاً .

ما نتحدث عنه هو برنامج شامل للادارة ، خطط في مجال الزراعة والثروة الحيوانية ، برامج للاستفادة من ثروات السودان المعدنية ، إعادة احياء النفط ، الاستفادة من العشرين مليار متر مكعب من المياة التي تجري على أراضيه.

قوانيين وتشريعات تساهم في تحقيق هذا الأمر ، ليكون السودان بعد أعوام في مكان يليق بكل ما يمكله من ثروات ، بلد منتج لا مستهلك ، مصدرٌ للمنتجات لا الخام ، والأهم كذلك أن يكون بلداً لا يستورد ما يستطيع إنتاجه .

ولربما نحن بحاجة إلى توعية شاملة للسودانيين ، توعية وطنية هدفها فض كل خبائث النفوس في سبيل تحقيق نهضة يُحكى عنها في سجلات التاريخ .

فالفرصة لا تزال سانحة فالثروات لا زالت موجودة ، إلا أن التأخير في استغلالها وتنفيذها سيجعلها تضيع في فضاء المجهول ويجعل هذه الثروات الطائلة مثلها مثل قصص جزيرة الكنز ومغامرات سندبات ، أساطير وخُرافات ليس لها مكان إلا في حكايات الخيال.

– شاهد أيضاً : ثروات السودان الضائعة ، من يدمر أرض السُمر ؟

المصدر
123456

Ahmed Elsir

مجرد انسان ، اختار من الهندسة الكهربائية مجالاً لدراسته ، شغوف جداً بالإعلام ، ومهتم بكل ما يتعلق بالتقنية ، كاتب محتوى عشقاً ومتطوع لدى عدد من المؤسسات .

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. هل يمكنني اختصار ذهولي بحجم هذا المحتوى المميز للغاية.. بأنني فخور فحسب؟ ♥️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى