ثقافةمنوعات

السودان ما بين الماضي والحاضر !

يقولون أن كل دولة حاضرها أجمل من ماضيها إلا السودان ، فإن ماضيه يُزْكَرُ بالخير وحاضره يقال فيه ” بلد مضروبة في ركبها .. منو البقدر يحل كربها “ فالمضروب في رُكبتيه لا يستطيع الوقوف ولا السير بل يظل جاسياً يعاني ألامه في إشارة إلى حالة اليأس التي يعاني منها .

سودان زمان .. رحلة قصيرة الى ما قبل الألفية الثالثة :

صورة لإحدى السودانيات قديما

بعد الإستقلال وبعيداً عن صخب السياسة ونخبها نشأ جيل وترعرع على إذاعتي ” هنا أم درمان و هنا لندن ” وطافوا عبر أثيرهما شتى مناطق السودان والعالم دون أن يروها ، ينتظرون بشغف الأستاذ صلاح ليدخل الإذاعة حاملاً تلك الحقيبة المليئة بالفن والتراث والثقافة ، فأغانيه والتي كان يجتمع الجميع حول الراديو للإستماع لها تحمل أنبل القيم والأخلاق وتنسيهم هموم دنياهم القليلة في ذلك الوقت .

كانت المدن مليئة بالصفاء والهدوء بعيدة – ولو قليلاً – عن صخب السيارات وسحب عوادمها التي تملأ العالم وليس السودان فقط هذه الأيام ، لم تكن العمارات السوامق حاضرة في ذلك الوقت ، الإ ان ملامح شوارع المدن كانت تعبر عن العراقة ؛ عراقة دولة كانت تقارع من جوارها على أقل تقدير وبتراثها وحضاراتها تتفوق عليهم .

وبعيداً عن طرق السيارات كان هنالك طريق أخر ، تغنى به الكثير من الفنانين لمكانته وعظمته ، يشق بلادنا طولاً فهو سليل الأكرمين وعليه كان إسم أرض النيلين ، النيل كان مثله مثل الطرق بل وأفضل منها ، فلم تكن تلك الأضواء الملونة على جنبات النيل التي نراها اليوم موجودة ، فالسفن لم تكن واقفة في أماكنها بل كانت تتنتقل بين ضفاف النيل المختلفه وتنتقل براكبيه من مدينة إلى أخرى ، بلا عوادم بلا صفارات القطارات ، فقط القوارب وجمال النيل ، فالنقل النهري في السودان كان من بين الأفضل في القارة السمراء وكان له مكانته في قلوب السودانيين في وقتها وفضله على غيره من الطرق .

وحتى لا نخرج من النقل ، فالسودان هذا والذي تنعدم فيه حركة القطارات اليوم كان مربوطاً بشبكة من خطوط السكة حديد من جهاته الأربع ، ورغم طول رحلات قطاراتها إلا أن الزمن يتوقف داخلها ، هنالك حيث يلتقي الشرق بالغرب والشمال بالجنوب ويسيرون في رحله الإيخاء الى مدن سوداننا المختلفة.

اما هنالك في وسط العاصمة الخرطوم في مطارها ” العريق ” ، كانت تهبط طائرات أوروبا ، وشرقي أسيا ، ودول الخليج وبالتأكيد أفريقيا ، ووقتها كان لسودانير مكانتها في عالم العمالقة ، كانت رائدة افريقياً وعربياً وما طائرتها التي حلقت في سماء العالم في فترة السبعينات والثمانينات إلا تأكيداً لريادتها ، وكذا الحال داخلياً فطائراتها كانت الناقل الأول للمواطنين بين مدن السودان المختلفة .

العاصمة الخرطوم حينها كانت محط انظار العالم ، نعم خارجة من قبضة استعمار إلا أن ملامحها السودانية الممزوجية ببقايا الإنجليز جعلتها متفردة ، أما أم درمان فهي حكاية زمان ، وما الذي لم يكن في أم درمان في ذلك الوقت ؟! يكفي أن نقول أن دور الثقافة والفكر رسمت طريق سودان التمازج و الوحدة فجلعت من نفسها عاصمة الثقافة وسوداناً مصغراً .

في سودان زمان ، كانت عبارات ” أين تسهر هذا المساء ” التي ملأت صحف السودان وشوارعه تروجياً وإعلاناً للسينما المعروضة في ذلك الوقت ، فدور السينما كانت جاذبة لكل السودانين وقتها ، هنالك حيث يسافرون في رحلة الإبداع الى مصر وتركيا ودول ” الخواجة ” ويتعرفون على ثقافتهم وحياتهم ، وينتقلون في رحلات ولو قليلة الى إنسان السودان وقصصه وهمومه ، وينتظرون بشغف مهرجاناتها العالمية التي كانت تقام في الخرطوم .

فجيل سودان ذلك كان يشاهد الأفلام الأجنبية في نفس وقت عرضها عالمياً ، واسألوا من حضر تلك الفترة عن سينما النيل الأزرق أو الحلفايا أو غيرها وأصغوا بإزعان الى ذلك الطرب الذي سيشدو مسامعاكم .

صورة جماعية قديمة

وحتى لا نخرج من الثقافة والفن ، ففي فترة سودان زمان ذلك كانت الأغاني الجميلة ، صوت وردي الشجي ، عود الشاب الموسيقار محمد الأمين ، ولهان سعاد الكابلي ، وغيرهم الكثير ، ودليل عظمة ما تغنوا به هو انه وحتى الان في العام 2020م تجد أغانياهم هي الـ” تريند ” وكأنها وجدت لكل الأزمان لتربط وجدان اليوم بماضي أبى أن يُمحى من ذاكرة السودانيين وكيف يُنسى وهو أفضل فتراتهم .

لا حواسيب ، لا هواتف ، لا مواقع تواصل إجتماعي ، فالتواصل وقتها لم يكن يحتاج لكل تلك التكنولوجيا، فقط ورقة وقلب وحبر من حُب كافي لإيصال ما قلبك مباشرة ال قلب متلقيك ، فحتى اذا تأخر إيصال الجواب فشغف الإنتصار يزيد من قيمة الجواب لدى المتلقي .

اقتصادياً فلا أعلم اذا كان يمكن أن نقارن أحلك فترات زمان بحالنا الأن ، نعم لم يكن الاقتصاد بذلك القوة ، وعانى السودان وأهله من فترات سيئة اقتصادياً ، الا أن بعض الدنانير التي كانوا يملكونها كانت كافية لشراء حاجاتهم والترفيه عنهم بعض الأحيان ، فهم لم يكونوا يحتاجون كثيراً .

صورة جماعية قديمة

جميلة ورائعة حياتهم في ذلك الوقت اليس كذلك ؟ اذا فالنربط الأحزمة ولنستعد لرحله أخرى حيث سنقلب العملة .

” سودان زمان ” الجميل هذا ليس موجوداً الا في العاصمة الخرطوم وبعض مدن السودان أما الباقي فالقصة المؤلمة .
يقال انه اذا اردت ان تسافر غرباً فإن الأبيض هي أقصى ما يجب أن تصله ، لأن ما بعد ذلك لن يستطيع عقل الإنسان ولا قلبه إستياعبه ، ما بعد ذلك يوصف بـ” نهاية الإنسانية ” هنالك لا دور ثقافة ولا دور سينما ولا شوارع ولا مدارس ولا سكة حديد ولا أعلم اذا كان للجاوبات مكان هنالك .. فقط معاناة وفقر وهنا نتوقف .


جنوباً – حينما كان للجنوب مكان في خارطة السودان – كانت الحرب وويلاتها التي عانى منها السودان من قبل إستقلاله وحتى إنفاصله المشؤوم في العام 2011م ، والذي لم تستطع أي حكومة حل الأزمة الى أن جاء الإنفصال وما زال الجنوب يعاني .


في القرى المختلفة لا أظن أنهم يملكون شيئاً غير سماحة قلوبهم وصفاءها ، نعم يسمعون بذلك السودان الجميل ويحلمون بزيارته ، وهنا نقصد الخرطوم بالتأكيد والتي كانوا يعرفون عنها أنها ” مكان الرئيس بنوم والطيارة بتقوم ” أما من يملكون المذياع فربما سمعوا ببقية ما تملكه تلك العاصمة .

العاصمة الخرطوم في الستينيات

ما المشكلة ؟!

في وقت ما كانت الخرطوم مدينة تنافس مدن الدول المجاور على اقل تقدير اذا لم يكن دول العالم ، وبدلاً من التوسع الأفقي في السودان والقيام بعمليات تنمية متوازنة في كل ربوع السودان ، اتجه الحكام المختلفين إلى التوسع في العاصمة ، فميزوها عن البقية ، ولمصالحهم الشخصية قامت حكومة المخلوع البشير بتدمير كل ما هو جميل في سودان زمان ذلك ، فلا نقل نهري ولا سكة حديد ولا ولا ، أما ليالي السودان الساهرة بالسينما فصارت دور عرضها مدن اشباح ولولا مبانيها المهترئة الموجودة حاليا لما ظن أحدهم أنه كان لدور السينما مكان قط  ، أما سودانير فما تبقى منها هو طائرة أخيرة كتب عليها ” حنبنيهو ” أملاً في عودة أمجادها .

ما الحل ؟!

السودان قطر متعدد الأديان والأعراق والثقافات ، ويحتاج الى رؤية وطنية تكفل الإستفادة من كل ما يزخر به هذا الوطن وتنهي ويلات الحزن والألم التي يعاني منها ، فحكام السودان اجمعين لم يحددوا ما الذي يريده السودان ولم يقوموا بما سأطلق عليه ” الحلم السوداني – The Sudanese Dream ” بأن يطلقوا العنان لعقولهم للتفكير في كيف سيحكم السودان ، كيف سنستفيد من كل ما نملك لنجعل السودان بعد 25 عاماً ينافس مثلاً دول الخليج البترولي.

لم يضعوا الخطط ليكون السودان خلال 10 اعوام في أفضل مئة دولة اقتصادياً ثم بعد 5 أعوام في أفضل 50 دولة إقتصادياً ثم بعد 5 في المراتب العشر الأولى ، لم يضعوا الخطط لتنمية الوطن الجريح تعليمياً و سياسياً وثقافياً ورياضياً واجتماعياً والذي سيؤثر حتما على التنمية الإقتصادية ، لو يقوموا بكل هذا وهو ما كان يجب عليهم فعله.

فالرؤية الوطنية – المستدامة – هي الحل لكل مشاكل السودان هذه ، وربما أولى خطوات هذه النهضة تبدأ بإنهاء دائرة الحكم التي ظلت تتكرر في السودان منذ استقلاله ” حكومة إئتلافية » حكومة عسكرية » انتفاضة شعبية » حكومة إئتلافية »» ” بأن تكون الديمقراطية المستدامة هي الحاكم في السودان وبعدها تبدأ التنمية المتوزانية لتصل كل السودان من شرقه والى غربه ومن شماله الى جنوبه ، ومن عانت الفقر من المناطق فإن الدخل القومي يجب أن يركز عليها ، ولكن من يخبر من ؟! فصراع الكراسي يحول دون ذلك دوماً .


فأيها السادة ! أما حان وقت النهضة ؟ .

مصادر : 1 ، 2 ، 3 ، 4 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى