ثقافةمنوعات

السينما في السودان .. سطور في الماضي والحاضر وما يحمله المستقبل

أين تسهر هذا المساء

هكذا أمتلأت صحف السودان وشوارعه تروجياً وإعلاناً للسينما المعروضة في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ، فالسينما كانت جاذبة لكل المقيميين في السودان في  ذلك الوقت .

سينما حلفايا في السودان
سينما حلفايا في السودان

حيث كانوا يسافرون عبر منصاتها في رحلات من الإبداع الى مصر وتركيا ودول ” الخواجة ” ويتعرفون على ثقافتهم وحياتهم ، وينتقلون في رحلات ولو قليلة إلى إنسان السودان وقصصه وهمومه ، وينتظرون بشغف مهرجاناتها العالمية التي كانت تقام في الخرطوم .

فرغم أن المشاهد لحال السينما في هذه الأيام لا يمكن أن يتصور أنه في فترة من الفترات كان للسينما وجود في السودان الا أن ماضي السينما السودانية حافل جداً بالإنجازات ، فصدق أولا تصدق عزيزي القارئ انه في فترة من الفترات كان عدد مشاهدي السينما في السودان يناهز المليوني مشاهد شهرياً ، إلا أن ظروف مختلفة أدت الى تدهور السينما في السودان لتصل إلى الحال المرثية هذه الأيام .

واليوم انتقل بكم في رحلة قصيرة إلى السينما السودانية نبدأ بماضيها وصولاً الى حاضرها وننظر لمستقبلها مستصحبين معنا إنجازاتها وخيباتها ، فسهرة اليوم هي ” السينما في السودان .. سطور في الماضي والحاضر وما يحمله المستقبل “

تاريخ

إهتمام المستعمر الإنجليزي بتوثيق الأحداث السياسية والإجتماعية والعسكرية هو ما قاد إلى ظهور السينما في السودان مع مطلع القرن العشرين ، أي بعد أعوام قليلة من ظهورها عالمياً حيث يعتبر الظهور الفعلي للسينما في العالم كان مع إختراع الأخوين لومير للسينما توغرافية في العام 1895 م .

ويقال أن أول ظهور للسينما في السودان كان عام 1912م بمدنية الأبيض وكان عرضاً توثيقياً يحكي لقاء ملكة بريطانيا مع بعض الشخصيات السودانية ، ورغم أنه لم يكن عرضاً سينمائياً بمعناه اليوم إلا أنه يعتبر أول ظهور للسينما في السودان ومن بعد ذلك بدأت السينما بالإنتشار .

في فترة الثلاثينات والأربعينات أحتركت السينما على المستعمر البريطاني ولم يكن هنالك أي ظهور للسينما السودانية وانما كانت عروض سينمائية أجنبية يقيمها الإنجيلز في سينما كلزيوم وسط الخرطوم والتي تعتبر أول دور عرض سينمائي في السودان .

سينما كوليزيوم
سينما كوليزيوم

ومع بدايات فترة الأربعينات ظهرت السينما المتجولة والتي طافت عدداً من مناطق السودان عارضة لأفلام تعليمية وروائية قصيرة أحياناً إلا انه وكما قلنا أنها كان عروضاً أجنبية لم يكن للسودانين نصيب فيها .

ومع مجئ أواخر الأربعينات كانت الصحوة السودانية ، حيث شهد العام ” 1949م ” استيقاظ صقر الجديان ليحلق في سماء الوطن ناشراً سينما بلاده السودانية الصنع ، حيث أنشئت أول وحدة لإنتاج الأفلام في السودان في ذلك العام والتي بدأت معاها إنتاج عدد من الأفلام السودانية القصيرة.

وكذلك قام المستعمر بإستعمالها في صناعة بعض الافلام التعليمية والروائية القصيرة  ولقد كانت  الأفلام التوثيقية هي المسيطرة على السينما في ذلك الوقت وذلك لقلة تكلفتها وما تحتاجه من إمكانيات  .

بعد الاستقلال ، إزدهار للسينما ومحاولات سودانية

في فترة ما قبل الاستقلال كان هنالك إحتكار بريطاني على السينما حتى انه لم يكن يسمح للسودانيين في بادئ الامر بمشاهدة العروض إلا أنه وتدريجياً سمح لهم بذلك ، أما بعد الإستقلال فالسينما انفتحت أكثر على السودانين وازدهرت ليصل دور عرضها في السودان إلى قرابة ال 60 داراً في مختلف ولايات السودان .

وتعتبر فترة السبعينات وبداية الثمانيات هي أوج فترات السينما في السودان ، فبلإضافة الى العروض العربية والأجنبية والتي كانت تعرض بإستمرار في دور السينما كان أيضاً الظهور للسينما السودانية الصنع ، وبالرغم من أن الغالبية العظمى كانت أفلاماً روائية قصيرة إلا انها عبرت عن انسان السودان وقضاياه وثقافاته وهمومه .

 غلاف الفيلم الوثائقي عن السينما السودانية "حديث عن الاشجار " الحائز على جائزة مهرجان برلين
غلاف الفيلم الوثائقي عن السينما السودانية “حديث عن الاشجار ” الحائز على جائزة مهرجان برلين

في العام 1970م أسست مؤسسة الدولة للسينما والتي اعتبرت كحاضنة للسينما في السودان تعمل على انتاج الأفلام وتنظم العروض وتراقب أيضاً ما ينتج من أفلام ولقد ساعدت هذه المؤسسة في انتاج الكثير من الأفلام الروائية السودانية القصيرة ، وحتى ذلك العام كانت السينما في السودان أفلام عربية وأجنبية وأفلام سودانية قصيرة ولقد نالت تلك الأفلام رواجاً كبيراً في السودان خاصة العربية والأجنبية منها والتي ألتف حولها الألاف من المقيمين في ذلك الوقت .

ولما كان المنتوج السوداني من الأفلام يعتمد على الافلام الروائية القصيرة كان نفر كريم من ابناء السينما في السودان يحاولون إنتاج افلام روائية طويلة تنافس السينما العربية والأجنبية المعروضة في ذلك الوقت ، و أول المحاولات كانت في 1970م وهو فيلم ” أمال وأحلام “.

 غلاف الفيلم الوثائقي عن السينما السودانية "حديث عن الاشجار " الحائز على جائزة مهرجان برلين
غلاف الفيلم الوثائقي عن السينما السودانية “حديث عن الاشجار ” الحائز على جائزة مهرجان برلين

و رغم أنه لم يكن فيلماً إحترافيا من كل النواحي إلا أن التاريخ يؤرخه بأنه أول فيلم روائي طويل ، وتوالت من بعد ذلك المحاولات لانتاج افلام سودانية روائية إلا ان هذه المحاولات كانت قليلة جداً وربما يرجع ذلك الى عدم الخبرة لدى السودانين في مختلف مجالات السينما بالإضافة الى تكلفة الانتاج العالية لعمل فيلم بمواصفات إحترافية وايضا الرقابة التي سلطت على الافلام والتي قيدت بشكل لو قليل عمل السينما في ذلك الوقت .

كل هذا حال دون انتاج العديد من الأعمال السينمائية الطويلة في السودان ، ولكن ما انتج من أفلام ولو قليلة نال رواجاً كبيراً محلياً وعالمياً ، فأفلام مثل (ولكن الارض تدور ) و ( الجمل ) فازت بالعديد من الجوائز في مهرجانات السينما العالمية .

وبعيداً عن أن الإنتاج السوداني لم يكن على قدر المستوى في تلك الفترة ولم يكتسح الشاشة السينمائية في السودان والتي كانت العروض الأجنبية فيها الأكثر مساحة إلا أن فترة السبعينات تعتبر أكثر فترات السينما السودانية إزداهراً ، فقد ناهز عدد مشاهدي السينما في السودان وفقاً لإحصائية لمؤسسة الدولة للسينما المليوني مشاهد شهرياً !!

بل كانت الأفلام العالمية تعرض في السينما السودانية في نفس وقت عرضها في صالات السينما العالمية ، بالإضافة الى ذلك فقد اشتهرت في تلك الفترة عبارة ” أين تسهر هذا المساء ” والتي كانت عموداً ثابتاً في الصحف السودانية وعن طريقها يحدد المقيم اين يسهر مساءً ، هل كليزيوم أم بانت أم السينما الوطنية أم العرضة أم ..؟

بالإضافة إلى ذلك فقد شهد السودان في تلك الفترة – السبعينات – إقامة عدد من الأسابيع و المهرجانات السينمائية العالمية مثل إسبوع الفيلم الروسي والفيلم الفرنسي والفيلم التونسي والتي حظيت بإهتمام المقيمين في ذلك الوقت واثبتت أن السينما في السودان كانت لها مكانة متميزة عالمياً .

 الإنقاذ ، بداية النهاية لأمجاد السينما في السودان

في عام 1989م وعبر انقلاب عسكري استولت حكومة الجبهة الإسلامية على الحكم في السودان ، ولانها اعتادت على أن تهدم كل ما هو قيم فقد وقعت المطرقة السياسية لحكومة المخلوع عمر البشير على رأس السينما في السودان وكتبت نهايتها .

سينما “الوحدة” في كوبر ، الخرطوم ، السودان

مع مجئ حكومة البشير ” الإسلامية الإسم ” وبزريعة الإساءة للاسلام ونبذ القيم الاخلاقية والغزو الفكري والثقافي كان إغلاق عدد كبير من دور السينما في السودان بالإضافة الى منع عشرات الأفلام من العرض ثم القرار بحل مؤسسة الدولة للسينما لتصبح السينما بلا أي حاضنة في السودان .

وكالعادة لا يواجه القمع الا بالمقاومة ، فبالرغم من التقيد الذي تعرضت له السينما في بدايات حكومة الانقاذ الا أن نفر كريم من ابناء السينما في خارج السودان قرروا العودة للوطن لمحاولة اعادة امجاد الماضي ، فأسست مجموعة من السينمائين مؤسسة جماعة الفيلم السوداني في محاولة لإعادة احياء السينما السودانية الصنع على أقل تقدر .

وبالفعل قاموا بإنتاج العديد من الافلام السودانية والتي عرض بعضها والاخر رفض بدعاوي عدة ، ولكن مع تشديد تضيق الحكومة على السينما بدات هذه الاعمال بالإنسحار ومع مرور الزمن هاجر الكثير من السينمائين الى الخارج وتوقفت المهرجات السينمايية العالمية عن اقامة فعالياتها في السودان .

ومع اغلاق الدور وتوقف السينما الأجنبية تدرجياً كتبت الانقاذ بداية النهاية لأحد أهم عوامل نشر الثقافة في السودان والتي لعبت دوراً محورياً في تسليط الضوء على قضايا المجتمع وهمومه بالإضافة بالتاكيد إلى العامل الترفيهي لها ، وانهارت السينما في السودان.

بداية النهضة

دور السينما التي وصل عددها الى 60 داراً في فترة السبعينات تحولت الى ركام وبيوت أشباح والمشاهد لها لم يكن ليتخيل أنه كان في السودان وجود للسينما و لم يكن ليتخيل أن ليالي الخرطوم مثلاً كانت تضج بالحديث عن الأفلام الأجنبية والعربية التي عرضت في سينما الوطنية او النيل الأزرق ، وإذا كان هنالك خير فيما تبقى من دور السينما المنتشرة في السودان هو انها آوت في ليالي الشتاء الباردة الكثير ممن لا ملجأ لهم .

في السنوات العشر الأخيرة كانت المحاولات لعودة السينما في السودان ومن غير الشباب الواعد الغيور على وطنه سيفعل ذلك ، فكانت المحاولات الشبابية وعلى رأسها مبادرة ” سينما الشباب ” والتي تهدف لتمكين الشباب من صناعة الأفلام في السودان ورفع مقدرات صناعة الأفلام لديهم من الهواية إلى الاحتراف ومحاولة صناعة جيل جديد ليعيد الحياة إلى السينما في السودان .

واستطاعت هذه المؤسسة عرض العشرات من الافلام القصيرة السودانية الصنع في مراكز ثقافية ونوادي واماكن مختلفة ، ويعتبر أهم إنجازتها هو جائزة “تهارقا” الدولية للسينما والفنون والتي تقام سنوياً منذ العام 2014م ونجح مهرجان الجائزة في استقطاب الألاف من محبي وهاوي السينما في السودان وتعبر هي أول جائزة دولية رفيعة المستوى في السودان.

“دهب ولم يعد” احد الافلام المشاركة في جائزة “تهارقا” الدولية للسينما والفنون

ولان لكل فعل رد فعل ، فالحراك الشبابي لاعادة امجاد السينما حرك المهرجات الأجنبية والعربية لتعود للسودان فكان مهرجان الخرطوم للفيلم العربي ومهرجات الفيلم الاوروبي والتي ساهمت بشكل كبير في نشر الوعي بأهمية السينما وجذبت الكثيرين نحوها .

وتعتبر واحدة من انجح المؤسسات التي اعادت السينما الى السودان هي مؤسسة سودان فيلم فاكتوري وهي منصة سودانية مستقلة ، تهدف إلى تعزيز الثقافة البصرية بشكل عام وإعادة توطين السينما في السودان بشكل خاص ، عبر التدريب والإنتاج والعروض والربط والتجسير بين المؤسسات والأفراد .

واستطاعت بث الروح مجدداً الى السينما عبر فعالياتها المختلفة وأهمها مهرجان السودان للسينما المستقلة والذي يعتبر أحد أميز المشاريع الثقافية في السودان وهو مهرجان يستضيف أفلام من كل أنحاء العالم ويقدم العديد من الجوائز بالاضافة إلى الندوات والورش المصاحبة له .

فكل هذه المؤسسات ” المستقلة ” تعتبر واحدة من اهم عوامل احياء السينما في السودان واستطاعت عبر فعالياتها المختلفة من مهرجانات وعروض استقطاب الكثيرين من ” المهوسين ” والعاشقين للسينما في السودان .

واعادت الحياة السينمائية الى السودان في العشر سنوات الأخيرة واستطاعت أن ترسم الطريق لإعادة امجاد السينما في السودان ،   وصدق القائل ”  بعزائم الشباب تنهض الأمم ” .

ثورة ديسمبر المجيدة ، التغيير والمستقبل الواعد

لقطة من فيلم "ستموت في العشرين" الحائز على جائزة المهرجان (أسد المستقبل) لأفضل عمل أول
لقطة من فيلم “ستموت في العشرين” الحائز على جائزة المهرجان (أسد المستقبل) لأفضل عمل أول

في شهر ديسمبر من العام 2018م ثار الشعب السوداني على حكومة البشير وإستطاع اسقاطها بحلول أبريل من العام المنصرم لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من تاريخ السودان شعارها ” حرية ، سلام ، عدالة “.

نجوم فيلم “ستموت في العشرين” الحائز على جائزة المهرجان (أسد المستقبل) لأفضل عمل أول

وفي وسط احداث ثورة ديسمبر المجيدة وتبعاتها ظهر نجم في سماء العالم ، اتجهت كل الانظار المحلية والاقليمية والعالمية نحوه واذا بهذا النجم هو فيلم“ستموت في العشرين “ لمخرجة امجد ابو العلاء والذي يعتبر أحد أفضل الافلام الروائية السودانية على مر تاريخ السودان .

وبالقرب منه ظهرت عدد من النجوم التي لم يقل بريقها عن نجم امجد ابو العلاء وهم أفلام ” اوفسايد الخرطوم “ والفيلم الوثائقي الرائع ” الحديث عن الاشجار ” الذي يتناول ما جرى للسينما السودانية ويتحدث عن ما بقي من أشجارها وهم (إبراهيم شداد ، سليمان محمد إبراهيم ، منار الحلو والطيب مهدي) وهم اشهر أربعة مخرجين للسينما في السودان .

واستطاعت هذه الافلام الثلاثة حصد العشرات من الجوائز العالمية واعادت السودان مجدداً الى خارطة السينما العالمية ، ومع سقوط نظام الإنقاذ أصبح بالإمكان إعادة امجاد السينما في السودان وازالة القيود التي كانت تلفها طيلة ثلاثين عاماً ، والسودان يزخر بالكثير من المبدعين الذين يستطعون إعادة هذه الأمجاد اذا توفر لهم الدعم الكافي من الدولة .

أمجد ابو العلا مخرج فيلم ” ستموت في العشرين”

اذاً بداية محتركة من قبل المستعمر ثم ازدهار في فترة السبعينات وخفوت بسبب نظام الإنقاذ مع بدايات الألفية الثالثة ثم صحوة سببها شباب السودان الهميم الذي استطاع اعادة الحياة إلى السينما تدرجياً خلال العشر سنوات الماضية وأخيراً نظرة أمل لمستقبل مشرق بدأ مع بدايات ثورة ديسمبر المجيدة لتعود للسينما امجادها .

فهل تعود سينما كوليزوم والوطنية وسينما عطبرة والقضارف وبورتسودان وغيرها الى الحياة مجدداً ؟! وهل نجد نشرات ” اين تسهر هذا المساء ” في الصحف ووسائل التواصل الإجتماعي ؟! وهل تنتظم وتعود المهرجانات العالمية في السودان ؟

تساؤلات كلنا نأمل بأن تكون اجابتها هي ” نعم ” وتكون السينما في السودان مثلها مثل نظيرتها حول العالم ، وبالتأكيد اذا اعادت الدولة دعم السينما في السودان وساعدت في تسهيل اعمالها ووفرت لها التمويل الكافي بالتأكيد ستعود أمجاد السينما في السودان لتنافس نظيراتها حول العالم .

ولما لا ! يمكن ان تتفوق عليها ايضاً ،  فأما حان وقت النهضة يا سادة ؟!

بكرة دنياي تبقى أنضر 

يا حلم مدفون وأغبر

بكرة لازم تبقى أخضر

النجاح للكون بيظهر 

” أغنية قصة نجاح – قلب الشارع “

_________

مصادر : 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى