الأدبمجتمعمنوعات

أبرز الشعراء السودانيين : الشاعر المُخضرم أحمد بدرالدين “عريج”

▪️عن الشاعر:

أعتبرهُ شخصيًا بحرٌ من بحُور الشِعر، أستاذ في رسم ونظم الحُروف وقادر على ترويضها لتَمثُل أمامه بكل رقّة وسلاسة، مُحب لمجال ﺍﻷﺩﺏ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ، واحد من شُعراء مدينة ود مدني الجَميلين، له من المؤلفات ما لهُ، قصائد بالعامية أو بلغتنا الأم “الدارجية السودانية ” التي تصل إلى الوجدان بسرعة، دعونَا لا نتحدّث بلسانه كثيرًا ولنترك له المساحة في حوار شيّق دار بين مجلة بايونير و أبرز الشعراء السودانيين أحمد بدرالدين فلنتابع..

الشاعر احمد بدر الدين عريج

في البدء نُرحب بك شاعرنا العظيم لهذه الإطلالة الجميلة لنجلس معًا في وريقاتٍ واحدة، كما نُرحب بجمهور القرّاء من خلف الشاشات، آملين في تحقيق وفاقٍ جميل للشاعر الذي يُعد سفير للمشاعر، في البدء تاركينَ لك سؤال الافتتاحية ..

▪️من هو الشاعر احمد بدر الدين على وجه الخُصوص ساردًا لنا التعريف والنشأة والسيرة التعليمية؟

احمد بدر الدين احمد عريج، طالب طب و رسام و يُقال شاعر.
وُلدتُ و ترعرعت في مدينة ود مدني، مع مسيرة تعليمية ابتدأت من مدرسة شقدي الأساس ثم مدارس الدكتور مكي الطيب الثانوية و ما زالت مستمرة مع كلية الطب جامعة البطانة.

▪️قلنا سابقًا أنّ الشاعر هو سفير للمشاعر، وبحرًا جميل لما لا تصف لنا رحلتك منذ أن أبحرت في هذا المجال، متى ﻭﺃﻳﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻭﻝ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺷﻌﺮﻳﺔ ﻟﻚ؟

بدأت تجربتي الشعرية مع بيئة مغلقة في المدرسة توافرت فيها جميع المتغيرات التي تدعوك للكتابة بدءًا بأستاذي العزيز عادل عبد الوهاب التي كانت حصته بحرا من الجمال و المتعة ثم مجتمع أصدقائي الصغير الذين كنا نمارس لعبة (المجادعات) اعتمادا علي ما نحفظه فكنا (لنفوز) نحفظ حرفيا كل قصيدة تقع في يدنا و أنا أعني ذلك.
كل ذلك جعلني مهيئاً للكتابة لكني لم أكتب إلي أن استفزني صديقي عندما صححت له بيتا يكتبه فقال لي 🙁 عندما تصبح شاعر تكلم معي)..فكتبت يومها قصيدة.

▪️ للشِعر دروبٌ عِدَّة، وبحورٌ كثيرة، وألوان مُتفرَّعِة، إين يجد الشاعر أحمد عريج نفسه؟ ولماذا اختار هذا اللون المُحدد؟

وجدت نفسي في الشعر الفصيح، لسلاسة اللغة و جمالها، ووضوح المعني رغم عمقه و تواصل الجرس دون انقطاع، و لما فيه من بلاغة.

ولا أقول هذا بلسان القارئ الذي قراء عن جمال الفصيح بل بلسان الشاعر الذي جرب كل أنواع الشعر و استقر على الأفضل.
و هو الشعر الفصيح و خاصة الجاهلي فلو لم يكونوا من كتبوا بالفصيح من الجاهلين هم أفصح الناس و الشعر الفصيح هو أفضله و أجمله و أعلاه لما تحداهم القرآن. و من يشك في تفرد الفصيح و القصائد الطولية وفي أنها الأجود يُنظر في فهمه و ربما في إيمانه.

▪️مثلما نعرف بأنَّ الشِعر في الزمان القَديم كان يخدمُ أغراضًا عِدة، وبأن شاعِر الجاهلية يمتاز بالبسالة والفروسية ومُعظم الشِعر بكل أنواعه تدخُل فيه هذه الخِصال وإن كانت ليست بصريح العبارة، في نظرك هل هنالك اختلاف كلي في تغَيُّر نمط الشِعر من الزمن السابق؟ وإلى أي مدى كان هذا التغير مؤثرًا سوا۽ سلبًا أو ايجابًا؟!

هناك تغير شامل و جذري للأسف في بنية الشعر و شخصية الشاعر أكبر أسبابه هو سيل التحضر الذي جرف شخصية العربي و زاد هامشية اللغة بعد أن همشتها اللهجات الدارجية الناشئة من تداخل الأمم و تسهيل التعبير على الألسنة فصار الشعر إما رخواً مجردا من وزنه و قافيته ليتناسب مع ضعف ناظمه أو غامضا مغرقاً في الأخيله لنفس الغرض في الغالب.

ولأن الإنسان ينبهر بالغريب أو يحب ما يفهمه دون جهد ذاع سيط هذا النوع الهجين من الشعر بين الناس و ساهم في بناء جيل كسول يكتب و لا يقرأ و يقدس ما يفهم دون إتهام أو تدقيق و يهمش ما يحتاج منه للجهد في البحث و الفهم.

فبدأ الشعر ينتعش بأشكال مشوهة أو حتى جميلة مثل شعر التفعيلة و هذا جعل الشعر الفصيح الحقيقي يموت ليعيش غيره في قلوب الناس، و شعراءه يتحملون قدرا كبيرا من هذا الوزر.

▪️ لو تحدَّثنا عن الشِعر في السودان على وجه الخُصوص، نجد أن السودان غني ومٌشبع جدًا بالألوان والمدارس الشِعرية المتعددة، تحدث لنا عن واقع الشِعر والقصائد في السُودان؟ وعدد لنا شُعراء صاروا رمزًا للشِعر في هذا البلد؟

إمتاز الشعر في السودان منذ عهد بعيد، و تصدر عدد من السودانيين قائمة الأفضل..تعددت المدارس و تعدد النوابغ بها، من المدرسة الفلسفية الرمزية كشعر عاطف خيري إلى المدرسة المباشرة المنظمة الأنيقة كشعر أزهري.

و كلهم رغم اختلافهم الذي حدث بسبب ظروف البلاد أو السياسية أو اتساعها و تعدد الطوائف بها، كلهم كانوا إضافة حقيقية للتاريخ الفني السوداني

▪️ماذا يمتلك الشاعر احمد عريج من دواوين شِعرية أو قصائد؟

حاليا لا أمتلك سوى ديوان واحد متواضع اسمه ( الطفل و البحر) و لعلمي بقلة معرفتي و نقصي لم انشره و لا أفكر في نشره بشكل رسمي قريبا، ما زال الطريق طويلا لميلاد ديوان يستحق القراءة.

▪️لو أتيحت لك الفُرصة لتكون شاعرًا آخر مِن الشعراء أو الأدباء المعروفين فمن تكون؟

أظن أن كل من يعرفني، يعرف الجواب عن هذا السؤال، بالتأكيد لوددت أن أكون تميم البرغوثي أو أزهري محمد علي

▪️يري بعض النُقاد بإن الشِعر في السودان أخذ مجرىً آخر غير الذي عهدناه وبأن مجمع الشُعراء لم يحافظوا على وضاءة الكلمة الشعرية والمفردة الأصيلة فتراجعت إلى الأسفل، وذلك نسبةً لعدم توافق الشعراء والجمعيات الأدبية لوضع ضوابط صارمة تُحَكِّم لنا المُفردة نفسها. فهل توافق النُقاد بأنه صار هنالك انحدار للمفردة الشعرية؟ وماهي العوامل التي أدت لانحدار وتشتت الأدب في السودان؟

أقول بعين غير الخبير في المفردة السودانية أن الإنحدار واضح جدا ليس في المفردة فقط بل حتى في وعي الناس وفهمهم فلم يعد للشعر الحقيقي أصيل المفردة قوي البيان موقع يعتبر بين المجالات الجديدة (مثل الراب) التي تعامل الناس على قدر عقولهم فلا هي ترتقي لترفعهم و لا هي ترتقي لترفع نفسها.

فنشأ جيل من الشعراء ممن يكتبون لينافسوا هذه المجالات أو يكتبون علي حسب عقول الناس فيقعون في نفس الخطأ بكل تأكيد هناك انحدار في المفردة السودانية و ذلك لإنعدام الضوابط الأكاديمية التي تقيس جمال المفردة السودانية و لانحدار الوعي العام.

▪️يُقال الشاعر سفيرٌ للمشاعر وصوتٌ لمن لا صوت له، ما هي رسالة الشاعر احمد عريج ؟

رسالة الشاعر تختلف اعتماده على ماهيته، شخصيته وظروفه التي عاش فيها .

منهم من جعل رسالته الوطن و منهم من جعلها حبيبة و منهم حتى من جعل رسالته في الحياة هي المتعة الذاتية مخاطبا ذواتنا القبيحة و أفكارنا السوداء أو التي نخجل منها بطريقة جريئة.

و مهما يكن من شئ فاللغة و التاريخ ضمن حق البقاء و الخلود لكل الشعراء اعتماداً على فحولتهم و تأثيرهم على الناس و لم تلعب الرسالة في الغالب دوراً رئيسيا مقارنة بالشاعرية و اللغة
أما عن رسالتي الشخصية فقد كانت هي ( تلك الملاك) التي تلاشت ببطئ أمام عيني كما يحدث في المشاهد الساحر و المؤلمة في خواتيم بعض الأفلام.

و من بعدها كانت رسالتي هي الجمال، كل ما يحرك في ذلك الإحساس الساحر الذي يساوي شقاء البحث عنه.

▪️كيف ترى الشاعر أحمد عريج في المستقبل؟ وحدثنا عن مشاريعك الأدبية في المستقبل؟ وهل سوف نحظى بمؤلفات أدبية في القريب العاجل؟

أرى نفسي شخصا ملما بعدد من المجالات بالإضافة للشعر، رقما صعبا لا يمكن تجاهله و هذا لن يكون سوى بالاطلاع ثم مجالسة الشعراء الأكبر مني سناً و الأكثر مني شاعرية في الغالب.

و لدي عدد من المشاريع الأدبية منها ديوانان تحت الطبع و معلقة من ٦٣ بيت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم و ربما دراسات في قواعد المفاضلة بين الشعراء ( و لكن ما يزال هذا الأمر بعيدا في الوقت الحاضر).

▪️ماهي الرسالة التي يوجها الشاعر أحمد عريج لجمهور الشعراء ولزملائك في المجال داخل وخارج البلاد؟

الإطلاع؛ إقرا كثيرا و استمع لكل من يسمى نفسه شاعرا، لا تعتمد علي وهم الموهبة فقط، و لا تقرأ للمعاصرين فقط و أعلم أن الإنسان عدو ما يجهل، فلا يغرنك جهلك بالشعر الجاهلي أو أي نوع من الشعر لإنقاص قدره و قدم حسن الظن عند الاستماع و القراءة و الدراسة لترى الجمال الحقيقي.

كن مستمعا ثم دارسا ثم شاعرا ثم ناقدا بعد ذلك.

▪️في إطار هذه الفسحة الحوارية الجميلة أمتعنا بقصيدة أو اثنتان من شِعرك المُقفّى!

“ما بين عين و عين جد مرهقةِ* باض الحمام علي لفات مشنقة
روحُ الشهيد به كانت كزمبقةٍ * حتى إذا انتُزعت ظلّت كزمبقةِ
روحٌ و روح ٌ عليها سُد برزخها   * لما ارتقت غدراً ضاعت و ما ارتقتِ
ظلّت تحوم و ما طلت على أحدٍ* بأعينٍ خضرٍ و دمعاتٍ منمقةِ
رأيتها تمنح الأشجارَ خضرتها * تدوزِن اللحن للطيرِ المزقزقةِ
إن قلتُ عُدنا خِرافاً هل ستسمعني * لقد خسرنا فهل كانت مصدقتي .
نمنا علي ثقةٍ في الشوك أن له * ليناً سيظهره كنا على ثقةِ .
عُدنا بقايا قشورٍ ضاع ديدنها *  ما بين عصرٍ و أكوابٍ معتقةِ
لم يبقَ من مصحف الشهدا و ثورتهم * سوى بقايا تراتيلٍ مُمزقةِ
في عتمةِ الليل أحزانٌ  مُرتبةٌ * كأنها اتفقت في الليلِ و التقتِ.
يُمنى البلادِ علي أرواحنا ضغطت * من صاخبِ الهّم باليسرى تصدقتِ.
عاشت سنيناً ببابِ الريحِ ساقطةً من عين مشفقةٍ في عين مشفقةِ
مصيبةٌ تلو اخرى كنت ألمحها * علي شفا العيشِ أصرخ كوني معتقتي.
قد أنكرتنا عيون الناس أجمعهم * غُربا كشمسٍ جنوب الأرض مشرقةِ
غربا كروح شهيدٍ لم تجد وطناً * بين السما و السما مثل المُعلّقةِ
يا روحهُ يا ظلال العرشِ يا بلداً * بالصبحِ مضحكتي بالليل مقلقتي.

يا جثةً حين فاضَ النيلُ قال لنا * عفواً قفزتُ و كانت تلك محرقتي.
فوضى و فوضى و مائدة السما نزلت * نزلت بقايا و ما حركت مِلعقتي.
فوضى و فوضى و فوضى لم تبنْ ابداً * شمسُ الخلاصِ و لم تشرق بمطقتي.
لم أدرِ أي صعابِ الشعرِ توجعني * طول السباقِ و خسرانُ المسابقةِ
لما رأيت عيون الناس تائهةً *   مزقتُ في مجلس الشعرا مُعلقتي.”

الشاعر احمد عريج

▪️كيف استطاع أحمد عريج التوافق ما بين دراسة الطِب والشِعر؟ وإلى أي مدى تؤثر الدراسة أو المثاق العلمي على الأدب والإبداع؟

يرد علي هذا السؤال كثير و في الغالب يكون الجواب البسيط هو أني في الغالب أخرج خاسرا في الموافقة بينهما، من الصعب أو المستحيل ربما الموافقة بين مجالين بهذه الضخامة و التعقيد و الأهمية ما بالك عندما نضيف عليهما مجالاً ثالثا وهو الرسم و رابعا و هو اليوتيوب و صناعة المحتوى ويكون التوفيق غالباً بالتضحية بالنشاطات الإجتماعية والأهم بمواقع التواصل الإجتماعي التي سوف تندهش إذا حسبت الوقت الذي تقضيه فيها.

رغم أني لا أفلح في كثير من الأحيان في التوفيق بين كل ما أفعله لكنني عندما أجد أي فرصة أستغلها في ما أحبه بخطة حقيقية و واقعية.
و أوافق بين ما أحبه و ما أحبه فقط أغلق الهاتف و أفعله لساعة في اليوم و على مدى سنه ستجد نفسك تعلمت شيئا جديدا.

▪️كلمة أخيرة يُصرِّح بها الشاعر أحمد عريج للعامَّة ولمجلة بايونير خاصة ؟!

إقرا، ولا تخف، إركض خلف أحلامك القديمة بقلب طفل وحكمة كبير و خطط واضحة ومدروسة.

إذا استطاع غيرك أن يفعلها فأنت تستطيع و إن لم يفعلها أحد غيرك فلما لا تكون الأول، لا تستمع لصوت المجتمع المحبط أو البيئة القاتلة كن أعمى و أصم ليس من الأصوات الخارجية فقط و لكن من الأصوات الداخلية أيضا التي تقول لك (أنت لا تستطيع).

لا بأس باليأس أحيانا و الدموع أحيانا أخرى فأنت بشر لكن لا تعتقد أنك عادي.

هل اعجبتك ابيات الشاعر احمد عريج ؟ شاركنا بأجمل ما كتبت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى