ثقافةدراسةمنوعات

الشلوخ ، أصلها ووظيفتها

قبل أيام وأنا في طريقي إلى أحدِ أقاربي تفاجأتُ – حقيقةً – عندما وجدتُ شاباً ربما يكون في الثلاثين في العمر فُصد خداه إلى سِت فصدات.

إستغربت كثيراً كون عادة ” الشلوخ ” القديمة لا تزال متواجدة حتى الأن رغماً عن ثورة الوعي التي ساهمت منذ القرن الماضي إلى إندثارها ، وربما لما إستغربت إذا وجدتها لدى عجوز مسن ولكن أن أجدها لدى شاب في الثلاثين زاد الأمر تعجباً .

وبعد دوامة طويلة من الحيرة ، سألت نفسي : ” ولما الإستغراب ! ماذا تعرف أنت عن الشلوخ حتى تدخل في هذه الدوامة ؟! ” فوجدت فعلاً انني لا أعلم عنها شيئاً سواء أنها عادة سيئة كان يقوم بها السودانيون قديماً ، ولكن لا أعرف أصلها ومدلولاتها والغرض الأساسي من وجودها أو حتى أشكالها المختلفة هذه.

فكانت رحلة البحث عن الإجابات التي وجدت جُلها في كتاب ( الشلوخ اصلها ووظيفتها ) للبروفيسور يوسف فضل حسن ؛ فدعوني أشارككم ما قرأت .

لها مرادفات !

يبدأ البروفيسور يوسف فضل رحلته في التعريف عن الشلوخ بذكر مردافات لها ، فبالرغم من أنه لم يكن هنالك تعريف لُغوي لمصطلح الشلوخ والذي يدل على ” عملية الفصاد – القطع – في الوجهة بقصد وضع علامات مميزة أو سمات خاصة “ إلا أن هنالك مرادفات وجدت في اللغة مثل الفصد واللعط والمشالي والوسم.

فهذه المصطلحات كلها تشير إلى نوع من عمليات التمييز التي تستخدم في الوجه فالفصد مثلاً وهو قطع العرق كان يستخدم كنوع من أنواع التشافي من الأمراض وأحياناً لطرد العين وأمراضها من الأطفال الصغار.

ولأنه أحياناً يكون الفصد بازراً جداً فيخلط الكثيرون بينه وبين علامات الشلوخ التي إستخدمها السودانيون قديماً ، أما اللعط فهي أقرب للشلوخ السودانية وتكثر عند الأحباش في شمالي أثيويبا و اريتريا.

وكذلك هنالك مصطلح المشالي وهي أيضاً تشابه الشلوخ وعرف عند أهل الجزيرة العربية ، وكذلك هنالك الوشم ويكون في الجلد والشفاه‍ ويعرف منه في السودان وشم اللثة والشفة السفلي أو ما يعرف ( بدق الشلوفة) وقد نهى المصطفى صلى عليه مسلم عنه .

فإذاً فهنالك مرادفات كثيرة لمصطلح الشلوخ المعروف لدينا في السودان ما يعني أنها ليست عادة سودانية فقط ! وهو ما يقودنا إلى المعلومة الثانية.

ليست عادة سودانية فقط !

إذا دخلت محرك البحث قوقل وبحثت عن كلمة ( شلوخ ) فستجد كل المواقع تُعرفها لك على أنها ” عادة سودانية قديمة “.

وربما يكون ذلك نتاج المصطلح نفسه كونه مصطلح سودانياً ، إلا أنه وكما ذكرنا سابقاً فإن هنالك مرادفات عديدة لهذا المصطلح أُستخدمت في أفريقيا والجزيرة العربية تدل على عادات تشبه عادة الشلوخ في السودان .

فهي كلها مصطلحات تستخدم للتعبير عن عملية فصد الوجه بغرض وضع علامات مميزة او سمات ، فالكثير من الدول الأخرى غير السودان يقوم أهلها بفصد وجوههم لإعتبارات سنأتي للحديث عنها .

والتاريخ يوثق لها كلها فكما زكرنا هناك اللعط في بلاد الأحباش شمالي اثيوبيا و اريتريا وهو خطوط ثلاث أفقية أو خطين على الوجه يشبه تماماً الشلوخ السودانية كما أنه في بلاد الجزيرة العربية وفي مكة كانت المشالي.

كما أن التاريخ يؤرخ أيضاً الى أن الشلخ أو الفصد وجد في اثار اليونان ومصر القديمة والعراق قبل ألاف السنين بعلامات تشبه تماماً الشلوخ السودانية ، و انتشرت علامات تمييز مختلفة تشبه الشلوخ تماماً في دول أفريقيا الإستوائية كنيجريا.

إذاً فهي ليست عادة سودانية وإنما إسمها سوداني واستلبت صِبغتها الخاصة من بيئة السودان لتأخذ أبعاد ودلالات مختلفة .

لها دلالات وأبعاد مختلفة !

الكثير ربما إستغرب مثلي عن دلالات هذه الشلوخ ولماذا يقوم شخص بقطع وفصد وجهه بشكل أو بأخر.

البروفسيور يوسف فضل حسن يُفسر هذا الإستغراب بثلاثة أبعاد وإعتبارات رئيسة تجعل الشخص يقوم بفصد وجهه وهي البُعد القَبلي للتمييز بين القبائل ، والبعد الديني نتاج سلك الطرق الصوفية والبعد الجمالي وهو بُعد خاص بالنساء ، فهذه الأبعاد الثلاث كانت المُوجِهَ لدِفة هذه العادة في السودان قديماً .

» البعد القَبلي

الشلوخ في السودان ظهرت منذ ألاف السنين أبان حضارة مروي في شمالي السودان وظهر هذا جلياً في أثارهم حيث وجدوا أثاراً من تماثيل ورسومات لرجال ونساء وعلى كلا جانبي وجوههم ثلاث خطوط عمودية وهي اشهر انواع الشلوخ التي برزت مستقبلاً في السودان.

فهي إذاً اقدم من الممالك المسيحة وأقدم أيضاً من الممالك الإسلامية التي ظهرت في القرن الخامس عشر ما يجعل البُعد القَبلي هو أول الحديث.

يذكر البروفيسور يوسف حسن فضل أن ما نشاهده من شلوخ مختلفة اليوم بدأت مع دخول العرب للسودان ومصاهرتهم للقبائل الموجودة هنالك في الشمال .

فبالرغم من أن العرب كانوا من البدو وحاولوا الإبتعاد عن المناطق النيلية إلا أنه ولكثرة الهجرات وجدوا أنفسهم في حالة تزاوج وانصهار تام مع مختلف القبائل التي كانت تسكن في المنطقة الوسطى من حوض النيل – بين الخرطوم ودنقلا – فأثروا عليها وأثرت عليهم لدرجة أنه أصبح من الصعب التمييز بين القبائل المستعربة والقبائل العربية .

كما يذكر البروفيسور ” أحست المجموعات العربية والمستعربة منها ما يهدد كيانها العربي الصريح وجوهر تكوينها القبلي التقليدية “ فكانت الشلوخ التي كانت بدأت بالانحسار في عصر الممالك المسيحية هي المخرج لهم ، فكانت كل قبيلة تُميز نفسها بشلخٍ معين.

أشهرها الثلاث شلوخ والتي تعرف بـ”الثلاث مطارق ” وانتشرت لدى قبائل الجعليين والقبائل النوبية في الشمال وهي نفس التقليد القديم الذي وجد في أثار حضارة مروي.

كما هنالك أيضاً شلوخ الحرف ( T ) أو ما يعرف ” بدرب الطير ” وشلوخ الحرف ( H ) وكذلك الثلاث خطوط الأفقية التي أشتهرت بها قبيلة الشايقية .

وكان من أكثر ما يدعو القبائل لتمييز بعضهم هو ما كان يحدث في فترة سلطنة الفونج في فترات ضعفها فيما كان يعرف بالقيمان وهي غارات تَشنها القبائل من أجل النهب والسلب.

فكانت الشلوخ للتمييز بين كل قبيلة والأخرى للتعرف على أفرادها اثناء الحرب ، وبعد إستببات الأمن في المنطقة كانت الهجرات وبدأت الشلوخ تأخذ أبعاداً اخرى كالبعد الديني والجمالي .

» البعد الديني

ربما كان البُعد القَبلي هو أساس وجود الشلوخ لدى السودانيين قديماً ولكن عامل الدين كان له أثرٌ كبير أيضاً في الشلوخ .

وهنا نحن نتحدث عن التصوف ، ذلك الفعل الذي ” إخترق الولاءات القبيلة المتفشية في البلد وقتها وأصبح على إثرها سلطان الشيخ الصوفي يمتد الى آفاق جديدة خارج التقسميات القبيلة التقليدية ، وأدى ذلك الى بروز تجمعات طائفية أساسها الولاء للشيخ ( شيخ الطريقة ) ومن ثم كان الولاء للطريقة ( في اطار العقيدة الإسلامية ) ارحب من الولاء القبلي الضيق “ .

فالتصوف – والحديث عنه يطول – كان علامة فارقة في تاريخ السودانيين ، أثر عليهم وتجاوز قبيلتهم وقادهم نحو مألات روحانية أخرى ، فكما زكر البروفيسور أن الولاء للطريقة أصبح أرحب من الولاء القبلي وهنا جاءت الصوفية لتصبِغ لونها على الشلوخ.

فصارت شلوخ الشيخ وأسرته تربط أفراد الطريقة الواحدة وتميزها وكانوا يرون أن في إتباع نفس نهج الشيخ وشلوخه نوع التبرك والتقرب وحماية من العين .

طالع أيضاً :-

ابرز تلك الشلوخ ذات الطابع الديني الشلوخ التي تميزوا بها أتباع الشيخ حسن ود حسونة – مرتاد الطريقة القادرية – ذات علامة ( lVl ) وكذلك شلوخ اتباع الشيخ احمد الطيب – مرتاد الطريقة السمانية – ذات علامة السلم ذو الدرجتين ( |=| ) والذي عرف بسلم الشيخ الطيب .

الذي لاحظه البروفيسور في دراسته أن الشلوخ ذات الطابع الديني كانت لدى الرجال فقط ومع أن النساء يكثرن من التردد على أتباع الطرق الصوفية وخلفائهم ، إلا أنه لم يلاحظ إمراة واحدة تحمل شلخاً ذا مضمون عقائدي.

علل ذلك بأن النساء كن أكثر افتتاناً بالشلوخ ذات الصبغة و البعد الجمالي .

» البعد الجمالي

قول لي بت عبيد قلباً شجيع إنحله

ومن عيدا معاك بقت الكراع منشلة

دي الشلاخة أجمل من دكاكر السله

باركيه اتباركوا عليك في شان الله

في بادئ الأمر كانت الشلوخ وكما أسلفنا ذات بُعد قبلي خاصة في فترة القميان ، ولكن بعد استتباب الأمن في المناطق اخذت الشلوخ مفاهيم جديدة فكانت شلوخ الطريقة التي تطرقنا لها سابقاً وكانت الشلوخ التي تُضفي حُسناً وجمالاً على المرأة حسب إعتقاد القدماء.

وهنا كانت عملية الشلخ نفسها تأخذُ بُعداً فنياً بل كان هنالك ما يدعى بالـ( الشلاخات ) وهن نساء متخصصات ” يتوسمن في صنعتهن ما يرضي الذوق ويتناسب مع وجه المرأة “ .

فقد كانت من أكثر الشلوخ ذات الطابع الجمالي إنتشاراً هي الثلاث فصدات التي توضع على كل خد ، وأحياناً أربع وفقاً لوجه الفتاة ، كما كانت هنالك الثلاث فصدات العمودية المستندة على فصد رابع ويسمى العارض .

وربما تغزلُ الشعراء بهذه الشلوخ لدى الفتيات هو ما جعلهُن يتجِهن إلى هذه العادة ، ولكن ايضاً كان هنالك من الشعراء ما يعجب بالفتاة ذات الوجه الخالي من الفصدات ” السادة ” ويتغزل به مثل ما كتبه عبدالرحمن الريح :

الذوق والجمال والخدود السادة

أدو قـلبي النــار حـرّقـوه زيـادة

_

ما شوهوك بفصادة

للـخـدود الـســـادة  .

الشلوخ بدأت بالإندثار !

مع مرور الوقت ونتاج لثورة الوعي التي بدأت منذ القرن الماضي بدأت عادة الشلوخ تختفي من الوجود وذلك في إطار التحرر من العادات البالية والقديمة.

إلا أنه وكما يلاحظ لا تزال بعض القبائل – على قلتها – تحافظ على هذه العادة التي يعتبرونها أصلهم وهويتهم واتربطت وجدانياً بهم رغماً عن كل الإنتقادات التي توجه لهم من أجل تركها والتخلص منها .

فبعيداً عن كل هذا فالشلوخ تظل جزء من تاريخ السوادنيين إرتبطت بهم وارتبطوا بها لتُعبِر في فترة من الفترات عن ثقافتهم وهويتهم .

  وَجَدتُ أنه لابد أن أشارككم إياها كونها جزء أصيل من تاريخ السودان وشعبه ومرحله لابد من الإطلاع عليها ودراستها وعلني أكون قد وُفقت في سرد ما قرأت من كتاب البروفيسور يوسف حسن فضل .

المصدر : الشلوخ أصلها ووظيفتها في سودان وادي النيل الأوسط . 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى