منوعات

الصحافة السودانية : تاريخ حافل بالعَقبات والمشاكل

لقد عرف الإنسان الإتصال الجماهيري منذ القِدم بدايةً بالوسائل التقليدية من نقوش وحفر ورسوم على جدران المعابد والمقابر مروراً بوسائل أحدث بعد ظهور الكتابة والورق والطباعة وصولاً إلى الإتصال الرقمي الموجود في عصرنا هذا ، ولكل وسيلة اتصال مهام وفوائد ، رغم تقاطعها في الكثير من النقاط ؛ والصحافة هي إحدى أهم وسائل الإتصال الجماهيري هذه ، فالصحافة هي المهنة التي تقوم على جمع الأخبار والمعلومات والتحقق والتدقيق من صحتها وتحليلها ونشرها الى الجمهور.

وتعتبر الصحافة وسيلة مهمة جداً في تمليك الإنسان للحقائق والمعلومات وجعله مواكباً لكل الأخبار حوله ، وتعتبر مقالاتها من أهم عوامل نشر الثقافة والمعرفة للقارئ ، كما تعمل الصحافة على نشر القيم الأخلاقية النبيلة ونبذ السئ من الأخلاق وتخلق مجتمع واعي مدرك وملم لكل ما حوله ، ناهيك عن دورها الهام والكبير والمتمثل بوجودها كسلطة رابعة في الدولة تعمل على مراقبة أداء السلطات الثلاث ونقل قضايا المواطن وهمومه وتعبر عن مشاكل الدولة وأيضاً طرحها للحلول والضغط على الدولة من أجل تصحيح المسار .

فالصحافة لها أهمية جعلتها ومنذ القرن السادس عشر وإلى يومنا هذا تحافظ على نفسها من الإندثار لما لها من مكانة عالية لدى الشعوب .

تاريخ الصحافة السودانية

صحف سودانية
صحف سودانية

ندرة المتعلمين والقُراء ، الإقتصاد المتدني ويمكن أن نضيف السياسة ؛ أسباب حالت دون وجود الصحيفة أو الجريدة في السودان حتى العام 1903م والذي شهد صدور الصحيفة الأولى في السودان تحت إسم ” صحيفة السودان ” إلا أنها لم تجد قبولاً وإهتماماً من السودانيين في وقتها نظراً للسياسة التي تقوم عليها الصحيفة من ترويج وتجميل وتحسين للمستعمر الإنجيلزي في وقتها ، والجدير بالذكر أنها لم تكن صحيفة سودانية الأيادي فملاكها كانوا أصحاب المقطم من مصر ، ويعود تاريخ وجود أول صحيفة ” وطنية سودانية ” للعام 1919م مع صدور ” جريدة الحضارة ” لرئيس تحريرها ” حسين شريف ” ، الا أنها قُوضت وبشكل كبير وتعرضت للكثير من المضايقات من قبل المستعمر في ذلك الوقت .

الى ٱن جاء العام 1930م والذي صدر فيه أول قانون للصحافة في السودان وبدأت على إثره صدور الصحف السودانية ، وتأثرت تلك الفترة ( 1930م – 1955م ) كثيراً بالنشاط الأدبي والفكري في البلاد مع إزدهار الأندية الثقافية ونشاط الجماعات الفكرية والأدبية ، كما ظهرت في تلك الفترة الكيانات الإجتماعية والسياسية والأحزاب وجماعات الضغط ، كل هذا ساعد في إزدهار الصحافة في تلك الفترة ، وبالرغم أن قانون عمل الصحافة في وقتها كان مقيداً لحريتها إلا أننا يمكن أن نعتبر تلك الفترة هي بداية الصحافة الحقيقة في السودان ، حيث ومن وقتها وحتى الأن بدأت الصحف بالصدور الدوري ونشطت الصحافة السودانية في الساحة .

الصحافة لها أهميتها ومكانتها في العالم ، فهل هذه الأهمية والمكانة موجودة في السودان ؟!

منذ نشأتها والصحافة السودانية لم تؤدي مهامها بالصورة المطلوبة ، فمنذ صحيفة السودان والتي كانت تعمل على تلميع صورة النظام الحاكم ، مروراً بجريدة الحضارة وما صاحبها من تقيد وتأثرها بالمستعمر الإنجليزي ومروراً أيضا بالصحف التي صدرت بعد عام 1930م كصحف مستقلة غير حكومة إلا أن قانون الصحافة في وقتها كان مقيداً لعملها.

ولكن الجدير بالذكر انه ورغم بروز عدد من الصحف والمجلات المبتعدة عن السياسة والمنفتحة على نشر المعرفة والثقافة والفن بين السودانيين ظهرت ايضاً صحف سياسية لأحذاب وكيانات سياسية والتي رغم التقيد استمرت في الصدور ولذلك يمكن ان نقول أن فترة ما بين ( 1930م -1955م ) ورغم التقيد شهدت صحافة حقيقة وربما أثرت على المستعمر الإنجيلزي وساعدت بشكل من الاشكال على إستقلال السودان .

بعد الإستقلال .. تقيد ، كبت حريات ومضايقات

تقييد الصحافة السودانية
تقييد الصحافة السودانية

أما بعد إستقلال السودان فالصحافة السودانية والتي كان من المفترض أن تؤدي مهامها التي وُجدت من أجلها صُدمت بأنظمة حكم متعددة فتعاقُب الحكومات السبع والتي حكمت السودان منذ إستقلاله وحتى العام 2019م أثرت كثيراً على الأداء الصِحفي ، فكل يأتي بنظامه وقرارته والتي يكون مصلحه كرسيه هي الأهم فيها ، فكان التقيد وكبت الحريات الذي تعرضت له الصحافة السودانية.

بداية بما كان يحدث من ايقاف للصحف التي تسئ للمسؤولين أو أحزابهم في فترة ( 1955م – 1958م ) مروراً بما قامت به حكومة عبود من حظر نقد الصحافة للحكومة أو ما قامت به حكومة نميري من حصر مزاولة المهنة على عضوية حزب الإتحاد الإشتراكي ، أو ما قام به نظام البشير من إيقاف للصحف خلال الثلاث سنوات الأولى من حكمه أما بعد ذلك فوصل الأمر في التقيد وكبت الحريات الصحفية إلى إعتقالات الصحفيين التي طالت كل متعرض للنظام الحاكم بالإضافة إلى الرقابة القِبلية لجهاز أمن الدولة على الصحف .

بالإضافة الى ذلك نضيف المعوقات التي كانت تقف أمام حصول الصحفي على المعلومات والأخبار المتعلقة بالدولة وعدم السماح لأغلبيتهم بالتحدث مع كبار المسؤولين طيلة فترات الحكم المختلفة هذه .

الصحافة توفر منبراً للنقاش المستنير بشأن مجموعة واسعة من المشكلات التي تواجهها التنمية، ابتداءً من التحديات البيئية والتقدم العلمي وانتهاءً بتحديات المساواة بين الجنسين ومشاركة الشباب وبناء السلام ، ولا يمكن إرساء حكم رشيد إلا إذا تمتع الصحفيون بحرية الرصد والتحري و انتقاد السياسات والإجراءات – رسالة مشتركة من الأمم المتحدة و اليونسكو في اليوم العالمي لحرية الصحافة 2014م .

احدى الوقفات الاحتجاجية لشبكة الصفيين السودانيين للمطالبة بحرية الصحافة
احدى الوقفات الاحتجاجية لشبكة الصفيين السودانيين للمطالبة بحرية الصحافة

كلام جرايد !

كل هذا أدى إلى إبتعاد الكثير من المتميزين والمتمكنيين في الصحافة من هذه المهنة واختاروا الهجرة إلى الخارج أو وظائف أخرى بدلاً من حياة المشقة والتعب هذه – مهنة المتاعب – خاصة كون العوائد المالية للصحفيين في السودان ضعيفة جداً ، ففقد السودان على إثر ذلك عدد مقدر من أصحاب الخبرة والإبداع في المجال ، ولكن هل نعزي الأمر كله إلى الحكومات ؟! .

في السودان ظهر مصطلح ” كلام جرائد ” فعندما نسمع خبر مزيفا او متناقضاً أو غريباً نسارع بقول هذه المصطلح – كلام جرائد – أي هذا حديث خالي من الصحة والمصداقية ، وهنا يبرز عدم المصداقية والدقة التي صارت توصف بها صحافتنا في داخل السودان ، فلك أن تتخيل أن السوداني يعتمد في تلقيه أخبار دولته وقضاياها من القنوات الخارجية سواء كانت صحافة أو أي وسيلة إعلامية أخرى !! فهل كل هذا سببه الدولة ؟

في كل دولة في العالم يوجد قانون لتنظيم عمل الصحافة ، وهذا القانون يعتبر المرجع الأول لقيام أي عمل صحافي ومخالفه يتعرض للعقوبات والتي قد تجرده من مهنته وتمنع مزاولته لنشاطها ، السودان لا يشذ عن هذه القاعدة فكما ذكرنا أن أول قانون صدر لتنظيم العمل الصحافي كان في العام 1930م.

ثم تبعه عدة تعديلات و قوانين الى أخرها في العام 2009م والذي يعمل به حاليا في السودان، وبعيداً عن الفصول والبنود التي تقيد الصحافة في معظم هذه القوانين إلا أن هذه القوانين بها الكثير من الفصول تتعلق بواجبات الصحفي ومهامه وأخلاقياته ، والتي اتفقت عليها جميعها بل وكل القوانين في العالم فهل هذه الفصول مطبقة في كل مزاول للمهنة في السودان ! .

نقول بكل تأكيد لا

وهذا يظهر جلياً بدايةً بما قامت به الصحافة من تعميق للأزمة بين المعارضة و الحكومة وأطراف الإئتلاف في فترة ( 1955م – 1958م ) أو ما كانت تقوم به الصحف من إعلاء مصالحها الشخصية في فترة الستينات أو ما قامت به الصحف السياسية من همز ولمز وطعن لتصفية خصومها في فترة ( 1985م – 1989م ) أو في ما نشاهده من أخبار في الصحافة السودانية حالياً والتي تظهر فقط تدني المهنية لدى عدد من العاملين في هذا الحقل فيما يتعلق بالدقة وطرح المواضيع وهذا لا ينسينا أن الصحافة السودانية زخرت وتزخر بالكثير من الصحفيين المهنيين فعلاً منذ نشأتها وحتى عصرنا هذا .

السودان يتقدم (16) مرتبة في حرية الصحافة بعد سقوط “البشير”

اقرأ ايضا

هل تأثر الراديو بالتكنولوجيا
هنا لندن! اذاعة جمهورية السودان

يمكن أن نقول أن الدولة كانت سبباً أولاّ في تراجع الصحافة السودانية ، ولكن لا يمكن أن نجهل أيضاً ضعف عدد من الصحفيين خاصة في تحري الأخبار وهوس ما صار يعرف ” بالسبق الصحفي ” والكسب الجماهيري ، وإعلاء المصلحة الخاصة على العامة والذي أعتبرها من أهم عوامل ضعف الصحافة السودانية ومصداقيتها ، فكثير من القضايا والأخبار تنقل بشكل خاطئ وذلك تحت هوس كسب الجمهور بإثارة عناوين من أجل أن يكون ” المانشيت ” هو الأبرز في الساحة ، بعيداً عن المواضيع التي لا يمكننا وصفها سوا بـ” الفوضى ” والتي تصدر في الصحف بين الحين والأخر ولا تمس الواقع ولا يستوعبها عقل البشر حتى ! .

إذاً فمن مشاكل تعليمية وإقتصادية إلى مشاكل سياسية ومنها إلى مشاكل مِهنية كانت معاناة الصحافة السودانية والتي كان أبرز عقباتها التقييد وكبت الحريات ، فلا قبل الإستقلال ولا بعده لم يكن هنالك صحافة حقيقة في السودان سواء بسبب سياسات أنظمة الحكم المختلفة المقيدة للحريات أو بسبب ما يمارسه بعض الصحفيين من نشاط لا يمس للصحافة والمهنية بصلة ، فتاريخ السودان حافل بهذه المشاكل والعقبات التي لازمت الصحافة منذ ظهورها في السودان .

من المفارقات التي لازمت الأداء الإعلامي في السودان بشقيه المطبوع والإلكتروني عدم رضاء الحكومات على تعاقبها عن أداء الوسائل الإعلامية وفي ذات الوقت عدم رضاء معظم الجمهور المتلقي للرسائل الإعلامية التي تبثها وتنشرها هذه الوسائل ، بل ومما يستغرب له عدم رضاء منسوبي هذا الحقل من مهنيين وأكاديميين عن أداء وسائل الإعلام رغم أن الأداء فيها يقوم عليهم ” – د. هشام الجاز ، الإعلام السوداني .

أمل يتجدد :

شبكة الصفيين السودانيين يطالبون بحرية الصحافة وضد قوانين تكميم الافواء
شبكة الصفيين السودانيين يطالبون بحرية الصحافة وضد قوانين تكميم الافواء

اذاً قرن من الزمان على ظهور الصحافة في السودان وما زلنا نحلم بذلك المنبر الصحفي الحر الذي يجعل الصحافة مرٱة المواطن ، تمتاز بالدقة أولاً في تحري الأخبار ونشرها ، تجعل المصلحة العامة فوق كل شئ ، تعكس فيها كل قضايا المواطن السياسية والإقتصادية والثقافية وغيرها ، وتؤدي مهامها كأداة للمعرفة والثقافة وتعمل على بناء وعي مجتمعي بالإضافة إلى جعل القارئ ملماً بكل ما حوله ، والأهم من ذلك دورها كسلطة رابعة في البلاد ؛ وها هو ذا الحلم يتجدد ، فالعام 2019م حمل لنا الأمل مجدداً بعد ثورة ظافرة جعلت من الصحافة الحرة أهم شعاراتها وأولها ” حرية ، سلام ، عدالة ” .

أقرا أيضا

تراث الأغنية السوانية، حقيبة الفن

فثورة ديسبمر المجيدة ليست مجرد إنتفاضة تهدف إلى تغيير نظام الحكم بل هدفها هو بناء سودان جديد ، ينعم فيه السودان بكل ما سلب منه طيلة عقود من الزمان ويتجرد فيه من كل السلبيات التي طالت السودان في مختلف المجالات منذ بزوغ فجر إستقلاله ، والصحافة هي واحدة من هذه الأمال والأحلام ، فنحن نستشرف عهد جديداً نأمل ان يكون مغايراً لما سبق ، و الحرية التي تنعم بها الصحافة خلال العام الأخير هذا هو بداية الحلم ، وربما هذه فرصتنا الحقيقة للتغيير في الصحافة السودانية والنهضة بها ، وهذا يحتاج تضافر كل الجهود وليس الدولة فقط رغم واجبها الكبير تجاهها ،

فأيها السادة ؛ أما حان وقت النهضة ؟!

يتطلب إقامة دولة مثالية يسودها القانون إعلام المواطنين إعلاماً جيداً وإتخاذ القرارات السياسية بطريقة تتسم بالشفافية ، و مناقشة القضايا العامة مناقشة علنية ، وتعدد وتنوع وجهات النظر التي تساعد على تشكيل الأراء وتمحيص الحقائف الرسمية ونزع المصداقية عن أوجه التعصب والتزمت. وتملك الصحافة بوجه خاص ، ووسائل الإعلام بوجه عام، على إختلاف أشكالها ووسائطها، هذه القدرة على الإرشاد والتوعية والإعلام – رسالة المديرة العامة لليونسكو في اليوم العالمي لحرية الصحافة -2018

مصادر :

– مواقع إلكترونية : 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ،6

– كتاب الإعلام السوداني – د.هشام الجاز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى