مال و أعمالمجتمع رياديمنوعات

الصمغ السوداني

السودان ، ذلك القُطر الأفريقي الذي أجمع الجميع على أهميته لما له من امتيازات خَصه بها الله ، فمنذ القِدم كان السودان محط انظار جميع الدول الإستعمارية في العالم.

فجميع ذئاب أوروبا كانت تترصد بتلك الفريسة التي تربط ما بين ساحل المحيط غرباً والبحر الاحمر شرقاً وما بين المتوسط والبحيرات، فملتقي النيلين كان في نظرهم هو ملتقى لأفريقيا كلها .

والذي يحكم هناك هو رجل أفريقيا بلا منازع ، كيف لا والسودان له من الموارد المعدنية ما يجعل لُعاب جميع تلك الذئاب يسيل وله من الأراضي الزراعية ما يكفي حاجة جميع دول العالم من الغذاء وله من الموقع ما يجعله رابط حركة التجارة بين الشرق والغرب والشمال والجنون وقلبها النابض .

واهم ما وفره له هذا الموقع انه جعل 500 ألف كلم من اراضيه تقع في حزام الصمغ العربي – أو عفواً – الصمغ السوداني .

وهو ما سيكون اسمه في هذا المقال ؛ لماذا ؟ دعونا نعرف..

تعريف

يرجع إستخدام الإنسان للصمغ السوداني إلى ما قبل أكثر من ستةِ ألاف عام ، فتلك المادة التي تهبها لنا شجرتا الهَشاب والطلح كانت تستخدم في الأدوية التقليدية كما إستخدمت في النجارة وغيرها من الصناعات التقليدية حتى أن الفراعة استخدموها في تحنيط مواتهم.

وبعد تطور العلم تطور استخدامه ليعتبر الأن أحد أهم عناصر الصناعات المختلفة سواء كانت العلاجية او الغذائية خاصة المشروبات الغاذية بالإضافة لإستخدامه في مستحضرات التجميل وغيرها العديد من الصناعات الاخرى فلا تكاد تخلو صناعة كيميائية من وجود الصمغ – السوداني – بين عناصرها .

اذا لماذا أقول عنه الصمغ السوداني وليس الصمغ العربي !

هبة ربانية !

كما اسلفنا القول تعتبر شجرتنا الهشاب والطلح هما مستخرج الصمغ – السوداني – ولكن تقل جودة صمغ الثانية عن الأولى والتي تتواجد بكثرة في غرب السودان والصمغ المنتج منها يتفوق طلبه عالمياً على صمغ شجرة الطلح.

وبالرغم من أن حزام الصمغ – السوداني – يمتد على إمتداد الصحراء الأفريقية شرقا وغرباً أي أن شجرتا الهشاب والطلح تتواجدان في عدد كبير من الدول ، إلا أنه ولإعتبارات بيئية وطبيعية فإن انتاج شجرة الهشاب في السودان يعتبر الأكثر جودة عن نظيراتها في بقية الدول والتي تكثر فيها شجرة الطلح على حساب شجر الهشاب ، ما جعل صمغ السودان هو الاكثر طلباً .

الدولة الأكثر إنتاجاً له !

بدأت حركة تجارة الصمغ – السوداني – بين السودان ودول أوروبا مع بدايات القرن التاسع عشر أبان حركة الإستعمار الأوروربي على أفريقيا.

ومنذ ذلك الوقت وحتى زمان قريب كان إعتماد العالم على السودان في حاجته للصمغ ، فحتى الدول الذي يتواجد بها حزام الصمغ – السوداني – لم تكن تنتج مجتمعة نسبة تذكر من إنتاج السودان له بل انحصر إنتاجها على انتاج شجرة الطلح ذات الجودة السيئة مقارنة بإنتاج شجرة الهشاب الموجودة بكثرة في غرب ووسط السودان.

ووفقاً لتقارير منظمة الغذاء والزراعة العالمية (FAO) فإن السودان كان ينتج 90% من الإنتاج العالمي حتى منتصف القرن العشرين ثم انخفض الانتاج الى 80% ثم لعوامل مختلفة سنتطرق لها إنخفض إنتاجه حتى 50% من الإنتاج العالمي وفقاً لاخر تقارير منظمة الأغذية والزراعة العالمية .

السودان يدافع عن إرثه !

منذ عام 1821م وحتى سبعينات القرن الماضي كان صمغ السودان هو الصمغ الوحيد المتعارف عليه ، وكان يطلق عليه صمغ السودان ، واحيانا كردفان الا أنه يقال عنه أيضاً الصمغ العربي !

وكان دولياً يعرف ان الصمغ العربي هو صمغ السودان ، حيث حتى مطلع السبعينات كان السودان ينتج 90% من انتاج الصمغ في العالم.

جاءت فترة السبعينات والثمانيات من القرن الماضي ثقيلة على صمغ السودان حيث اجتاحت في تلك الأعوام موجات جفاف جعلت إنتاج السودان من هذا المنتج يقل ما جعل دول العالم تبحث عن بدائل لذلك.

البدائل وجدتها في تعديل مواصفات الصمغ العربي وزيادة الطلب على صمغ شجر الطلح مع إجراء معالجات كيميائية ليكون بجودة تقارب جودة الصمغ – السوداني – بالإضافة الى الاستعانة بما تنتجته بعض الدول التي تتوفر فيها شجرة الهشاب .

طالع أيضاً :-

هذه التعديلات أسقطت الإرث التاريخي لهذه السلعة السودانية وذلك وفقاً لما زكره خطاب السودان للجنة  المشتركة لخبراء منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة العالمية لمراجعة مواصفات الصمغ العربي ، حيث تم إسقاط اسماء صمغ السودان وصمغ كردفان وإستعاضوا عنها بإسم الصمغ العربي ! وصمغ أكاشيا !

الغريب في الأمر ان مدافعة السوادن عن ” إرثه التاريخي ” تأخرت 15 عاماً عن اخر تعديل قامت به اللجان المشتركة لمراجعة مواصفات الصمغ – السوداني – ولم تحمل صراحةً تغيير إسم الصمغ العربي الى الصمغ السوداني.

بل شددت على تعديل إسم الصمغ العربي ليكون الصمغ المنتج من شجرة الهشاب فقط تلك الشجرة التي يسيطر هو على إنتاجها ، ولكن ركز الخطاب على أن الصمغ العربي – السوداني – هو صمغ السودان الذي عرفه العالم منذ عام 1821 م .

الصمغ السوداني يتراجع

لجان مراجعة مواصفات الصمغ – السوداني – لم تتكون إلا عندما إنخفض إنتاج الصمغ في السودان ، فكما زكرنا انه حتى سبعينات القرن الماضي كان السودان ينتج 90% من انتاج الصمغ في العالم .

اولى النكبات كانت موجات الجفاف التي ضربت السودان في السبعينات وأوائل الثمانيات التي أثرت على إنتاجية الصمغ وجعلته ينخفض قليلاً الى 80% حيث استغلت دول حزام الصمغ – السوداني – تلك الفجوة وزاد طلب الدول المستهلكة منها ، ليعود السودان بعدها ويجد أن ما كان ملكه اصبح ينافس عليه .

تاتي بعدها تعديل مواصفات الصمغ – السوداني – ليدخل صمغ الطلح وإدخال ما يعرف بأشجار الأكاشيا وهي تزيد عن 1800 نوع ! ما جعل الدول تتسارع في انتاج الصمغ الذي يمكن أن يقال عنه ذهب الصناعات الكيميائية ، لتكون التعديلات هذه هي الفأس الثانية التي وقعت على رأس الفارس السوداني .

المستغرب في الأمر أن كل هذه التعديلات لم تدع الدول تستغني عن صمغ السودان فقل انتاجه حتى أواخر التسعينات الى 70% ليكون رغماً عن تلك الضربتين الموجعتين هو المنتج رقم واحد في العالم للصمغ السوداني ! لتأتي بعدها – الطامة – التي ضربت بصمغ السودان عرض الحائط وهو كالعادة الدولة نفسها ! .

السودان ورغماً عن التعديلات كان بإمكانه وبعد زوال فترة الجفاف زيادة انتاجه من صمغ الهشاب الأكثر جودة عالمياً ويحافظ على مركزه كالمنتج رقم واحد عالمياً.

وحتى أشجار الاكاشيا التي دخلت السوق هو يملك ثلاثين نوعاً منها ، الا انه ووفقاً لتقرير للبنك الدولي في العام 2007 م فإن سياسيات الدولة التسويقية قللت من مكانة وسمعة صمغ السودان وأدت الى انخفاض إنتاجيته الى 50% ، وكانت إبرز هذه السياسيات التسويقية إحتكار شركة الصمغ العربي لصادر الصمغ الخام ! – وهذا التعجب نعود اليه –  بالإضافة الى جملة من القرارات المتضاربة التي قللت من سمعة الصمغ السوداني .

وكانت من أهم اثار هذه السياسيات التسويقية أن قلت الأسعار ما جعل المزارعين يتجهون الى المحاصيل الاخرى بالإضافة الى الضرائب التي أثقلت كاهل المنتجين ، ما جعل حصة السودان تقل الى 50% ، هذا كله بالإضافة الى التهريب الذي يفقد خزينة السودان ملايين الدولارات وليس في الصمغ فقط بل في كل المنتجات الأخرى .

الطامة الكبرى !

كل هذه السياسيات الخاطئة يمكن أن تعالج ويمكن أن يعود السودان الى مركزه كمنتج رقم واحد للصمغ السوداني عالمياً ويكون ذلك أولاً اذا قام بإدخال الألة الى الحصاد ، فحتى الأن يتم حصاد الصمغ بصورة بدائية جداً بالإعتماد على الطريقة اليدوية ،  فإدخال التقنيات الحديثة مع معالجة السياسيات التسويقية ستقود بالتأكيد الى زيادة الإنتاج ، وهنا أعود الى التعجب الذي وضعته سابقاً وهو ( الصمغ الخام ! )  وهنا الطامة الكبرى .

للصمغ السوداني درجات أربع وهي ( النقاوة والجرش والمجفف بخارياً والمسحوق ألياً )  فالنقاوة وهي كريات نظيفة من الصمغ تمثل 10% من الصادر وتستخدم بكثرة في الحلويات أما الجرش فله درجات ، درجه تدعى الصمغ المجروش ودرجة تدعى الدرجة النظيفة وهي الدرجة التي تعتبر لدى كل المشترين بالخام ، وهي تستحوذ على نسبة الصادر الاكبر ! نعم كما قرأت عزيزي القارئ ، فالسودان يصدر الصمغ كخام الى الخارج وليس كمنتج !

انا لست بخبير إقتصادي ولكن الجميع يعلم أن تصدير الخام يعني ضياع الملايين من الدولارات التي يمكن أن تدخل خزينة الدولة اذا تم تصديره كمنتج وفقا للمواصفات المزكورة ، وفي حالة كون هذه الدولة هي المنتج رقم واحد عالمياً ولو بنسبه 50% فهذا يعني حتمية شراء هذه المنتجات من هذه الدولة.

فوفقاً لتقرير البنك الدولي أن على السودان من أجل ان يحقق المنفعة الكبرى أن يقوم بايقاف تصدير الدرجة النظيفة نهائياً وتصدير الصمغ المصنع أو الصمغ المجروش وإدخال منتجات الصمغ الغذائية والصحية ما سيدخل ملايين الدولارات الى خزينة الدولة !

ما نتحدث عنه هو الاستفادة القصوى مما وهبه الله للسودان والتوقف عن إعطاء الغير لينتجوا ما يمكن للسودان إنتاجه ، فكل هذه السياسيات ضربت بصمغ السودان عرض الحائط وجعلته يترنح في سوق هو واجدها من الأساس ومزودها الأول وإذا ما استمرت دون معالجة فيمكن أن يفقد مكانه في السوق – التي وجدها – نهائياً .

أمل يتجدد

إذاً هي سياسات عديدة جعلت نجم السودان يخفت ، إلا أن هذه السياسيات جميعها  يمكن أن تعالج ليعود السودان هو المتربع على عرش إنتاج ومنتجات الصمغ في العالم.

وما يزيد من الأمل هو القرار الذي صدر من وزارة التجارة و الصناعة في السودان قبل أشهر وذلك بوقف تصدير الصمغ بشكله الخام خلال الخمس سنوات المقبلة ، وكسر كل الاحتكارات العالمية والمحلية، بإنشاء بورصات إلكترونية عالمية ، كآلية لتحسين الأسعار وجذب الاستثمارات ، وربما تنفيذ هذا القرار بشكله الصحيح سيعود بالنفع الكبير على السودان وأهله .

فهو أمل يتجدد بنهضة صمغ السودان مجدداً ليعود الى الساحة العالمية وهذه المرة كمنتج قوي وليس مجرد مصدرٍ للخام .

نامل منها أن يحلق صقر الجديان بها عالياً في سماء العالم ليكون في مكانته الطبيعة – نظرياً – على رأس هرم الدول الأقتصادية الكبرى ، وهذا يستوجب عملاً جاداً من جميع القطاعات.

فما يمكن أن يحققه لنا الصمغ – فقط – من أرباح كافي لحل الكثير من المشاكل الإقتصادية في السودان ، فالسودان له من المواد والإمكانيات ما يؤهله ليكون رقماً عالمياً يصعب تجاوزه أقتصادياً  ، فأما حان وقت النهضة يا سادة !

المصادر :

مصدر واحد ، مصدر اثنين ، مصدر ثلاثة

Ahmed Elsir

مجرد انسان ، اختار من الهندسة الكهربائية مجالاً لدراسته ، شغوف جداً بالإعلام ، ومهتم بكل ما يتعلق بالتقنية ، كاتب محتوى عشقاً ومتطوع لدى عدد من المؤسسات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى