منوعات

نحبك يا رسول الله : تزامن مولده مع حملات جديدة للاستهزاء به

” وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ.. وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ
الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ.. لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ “

أحمد شوقي


كان ذلك ما قاله – أحمد شوقي – عن مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُبالغ في وصفه هذا، فبمولده صلى الله عليه وسلم أضاء الله الكون وقلوب العالمين، في يوم الإثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول، عمَّ العالم الضياء وولد النور، وأُطفِأت نار المَجُوس بمولده.


ولد يتيماً، وعاش تحت كَنَف أُمه ومُرضِعَته وجدِّه، وقبلهم كان كَنَف الله يُظِلُّه ويُحِيطه من كل جانب.. كان يمشي في شوارع مكة يسلم عليه الحجر والشجر ” السلام عليك يا رسول الله”، الصادق الأمين قبل أن يكون نبياً، ومنذ أن ولد صلى الله عليه وسلم وإلى أن مات كان ذلك خُلقه، الصدق والأمانة، وبِنَص القُرآن ” وإنَّك لعلَى خُلقٍ عَظيم”.

ذكر الإمام السيوطي أن أول من إحتفل بالمولد النبي الشريف بشكل كبير ومنظم هو حاكم أربيل – شمال العراق حاليًا – الملك المظفر أبو سعيد كوكبري، وثق لذلك بعض علماء السنة منهم ابن كثير حيث قال:

«كان الملك المظفر يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، وكان مع ذلك شهمًا شجاعًا بطلاً عاقلاً عالمًا عادلاً».

وبحسب الكاتب والأديب والمحقق المصري حسن السندوبي فإنّ الفاطميين هم أوّل من احتفل بذكرى المولد النبوي الشريف.. واحتفل كذلك العثمانيون بالمولد النبوي وفي عهد السلطان عبدالحميد الثاني كانوا يحتفلون في الجامع، فيبدؤوا بقراءة القرآن، وثم بقراءة قصة مولد النبي محمد، ثم بقراءة كتاب دلائل الخيرات في الصلاة على النبي، ثم ينتظم بعض المشايخ في حلقات الذكر، فينشد المنشدون وترتفع الأصوات بالصلاة على النبي.


وكذلك كان سلاطين المغرب الأقصى يهتمون بالاحتفال بالمولد النبوي، لا سيما في عهد السلطان أحمد المنصور، فإذا كان فجر يوم المولد النبوي، خرج السلطان فصلى بالناس وقعد على أريكته، ثم يدخل الناس أفواجاً على طبقاتهم، فإذا استقر بهم الجلوس، تقدم الواعظ فسرد جملة من فضائل النبي محمد ومعجزاته، وذكر مولده. فإذا فرغ، بدأ قوم بإلقاء الأشعار والمدائح، فإذن انتهوا، بُسط للناس موائد الطعام.

يوم المولد النبوي

هذا اليوم العظيم، كان يجب على كل مسلم تذكره واستحضاره وكثرة الصلاة والسلام على النبي فيه، وكان هو صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الإثنين ولما سُئل عن ذلك قال ” ذلك يوم ولِدت فيه”، وفي ذلك إشارة للإحتفاء بهذا اليوم بشئ يحبه الله تعالى وهو الصوم، ومن زاد فله الأجر من الله، وهذه الزيادة قد تتضمن ذكر الله والصلاة على نبيه والصلاة وقراءة القرآن والإستماع إلى سيرته العطرة، وكل ذلك إحتفاءً يليق بحضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم..

حكم الاحتفال به

اختلف العلماء في حكم الإحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأثار ذلك جدلا واسعاً، فهناك من ناقش مبدأ الإحتفال نفسه واتفق أو اختلف معه ، وهناك من ناقش مظاهر الإحتفال واختلف أو اتفق معها، ولكن مما لا شك فيه ولا اختلاف عليه، أن يوم مولده كان من خير الأيام التي طلعت عليها الشمس، فتحسس قلبك واحتفل به احتفالاً يليق بسيد الخلق، واجعله يوماً تزيد فيه محبتك له، وتتعلم فيه أكثر عنه، حتى تلقاه عند الحوض ضاحكاً مستبشراً بساطاً يديه لك،في يوم لا ينفعك فيه مالٌ ولا بنون، ويأتي هو شفيعاً لأمته، يتلقاهم بحب وشوق ويقول:

” أمتي أمتي”

روى الإمام أحمد من حديث أبي جمعة – رضي الله عنه – قال تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومعنا أبو عبيدة بن الجراح, فقال: يا رسول الله, أحد منا خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك, قال:

” نعم, قوم يكونون من بعدكم, يؤمنون بي ولم يروني “.

يؤمنون بي ولم يروني، سبق حبه لنا قبل أن يرانا، ولحق حبنا به ولم نراه، وهل هناك حب أعظم من ذلك؟!

حب النبي صلى الله عليه وسلم من خِصال الفطرة، لم يكن يوماً شيئاً قليلاً، حبه في القلوب يزيد ولا ينقص، مهما بعدنا عن الطريق، مهما تلحفنا بالذنوب، نظل نردد ما قاله عبدالعزيز جويدة :

” أحبك يا رسول الله.. أنا واللهِ من قلبي
أُحبُّكَ يا رسولَ اللهْ.. وليسَ الحبُّ مفروضًا
بأمرٍ جاءْ.. وما حبي أكاذيبًا ولا أهواءْ..

أنا قد جئتُ للدنيا.. غريبًا.. كلُّنا غرباءْ
تتوقُ نُفوسُنا الظمأى.. لنبعِ الماءْ
وكانَ الكونُ مُعتلاً.. ولا أملٌ بأيِّ شِفاءْ
وكانَ الكونُ من قبلِكْ.. يَهيمُ كدابةٍ عرجاءْ

طبيبًا جئتَ للدنيا.. تُشخِّصُ بالقلوبِ الداءْ
فأنتَ البَلسَمُ الشافي.. بكلِّ دواءْ
وإنْ كانتْ جميعُ الناسِ أكفاءً
فأنت هنالِكَ استثناءْ

فلا قبلَكْ ، ولا بعدَكْ.. ولا أحدٌ يُضاهيكَ
من الأزلِ.. إلى ما شاءْ.. وأحببتُكْ
وليسَ الحبُّ مَكرُمةً.. ولا مِنَّةْ

ولا خوفًا من النارِ.. ولا طمعًا بفردوسينِ في الجنَّةْ
وليسَ لأنَّهُ فرضٌ.. وليسَ لأنَّهُ سُنَّةْ
ولكني أُحبُّكَ يا رسولَ الله “

الا رسول الله!

نعم، حب كهذا خالص، لا فيه شك ولا نقصان، مهما استهزأ المستهزءون ومهما تطاول الجاهلون، حبه في قلوب المسلمين لا يهتز وسيظلون يرددون #إلا_رسول_الله، ولم تكن الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم شئ جديد في عصرنا هذا فقط.

بل هي منذ أن بُعث بدعوة التوحيد، هاجمه قومه واستهزءوا به، طردوه من بلده، وأقاموا الحرب ضده، وأنزل الله قوله تعالى ” إلَّا تَنصروه فقد نَصره الله” نعم نَصرُ الله حَلِيفُه منذ ذلك الزمن وإلى الآن وسيستمر ما دام الكون قائماً.

ولم تكن الإساءة يوماً للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هي لنا نحن ، نحن من قصرنا وغفلنا عن دينه ودعوته، فقد قال الله تعالى في كتابه” إنا كفيناك المستهزئين” نعم، كفاه وسيكفيه الله شر كل مستهزئ إلى قيام الساعة، أما نحن، نرجو من الله العفو والغفران.

ومن ابرز دلائل حب النبي صلى الله عليه وسلم زيارة المدينة، لطالما كانت زيارته حُلماً جميلاً لكل المسلمين، ولطالما كان الوصول إلى المدينة أجمل وصول في الحياة.. قالها الشاعر خالد مصطفى:

” نذر عليَّ لإن وصلت مقامه، لأُعصر الخدين في العتبات، ولأدخلن مصلياً ومسلماً، فسلامه يحظى برد من كريم الذات”

هكذا الوصول، بصلاة وسلام وكثير من الشوق، وكلما تحقق الحلم زاد الشوق، ولن ينتهي ما دمنا أحياء.. فاللهم صلي وسلم دائماً أبداً، على حبيبك وحبيبنا خير الخلق كُلِّهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى