مال و أعمال

تعويم الجنيه السوداني

بعد انهيار الجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي وتدهور الإقتصاد السوداني ، الحكومة السودانية تتخذ خطوة جريئة بتحرير سعر الصرف ، فهل هو الحل ؟

قال الأديب الكبير الطيب صالح في كتاب وطني السودان :

أي وطن رائع يمكن أن يكون السودان لو صدق العزم وطابت النفوس وقلّ الكلام.

موضُوع السّاعة :

تابع الشعب السوداني بإهتمام بالغ منذ الحادي والعشرين من الشهر الماضي قرار البنك المركزي السوداني القاضي بتوحيد سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأخرى، وخروج وزير المالية ومحافظ بنك السودان المركزي في بيان يتحدث عن أسباب إتخاذ هذا القرار في هذا التوقيت الصعب الذي إزداد فيه الدين الخارجي من 54 مليار دولار وُرثت لنا من النظام البائد حتى وصل لأكثر من 70 مليار دولار وسط تضخم فاق 300 ٪ .

تعويم الجنيه السوداني ، هل يعود بالنفع على السودانيين ؟

أعربوا في بيانهم أن هذه الخطوة ستساهم في إصلاح الإقتصاد المترهل وإزالة التشوهات التي صاحبت الإنتاج والتصدير عقوداً من الزمان وأنها ستحارب كذلك السوق الموازي وغسيل الأموال والتهريب إلى جانب مساهمة هذا القرار في استقرار أسعار السلع وتوفير العملات الصعبة للبنك المركزي لاستغلالها في توفير الضروريات من الوقود والدقيق والغاز والدواء للمواطنين.

أثر القرار في الأوساط الإجتماعية:

حالة جدل اصابت الشارع السوداني جراء قرار التعويم

هذا القرار بالتأكيد جعل الشعب في حالة جدل كبير ما بين رافض للقرار لأنه رضوخ واضح لسياسات البنك الدولي وأنه سيزيد من دمار الإقتصاد وتهاوي العملة الوطنية، وآخرين يرون أنه مفتاح للإنتعاش الإقتصادي الراكد وتوفيرًا للنقد الأجنبي للبنك المركزي لسحب البساط من تجار السوق الأسود، ناهيك عن أن هذا القرار جاء بعد أن فقد الجنيه السوداني أكثر من 80٪ من قيمته مما أدى لإرتفاع جنوني في الأسعار أوصلت البلاد لأزمة طاحنة زادت معدلات الفقر والبطالة .

أسباب القرار ومتطلباته :

بنك السودان المركزي يحاول ضبط سعر الصرف ، فهل ينجح ؟

قبل الإبحار في تعريف هذا القرار، علينا أن نعرف أولاً أن الحكومة بذلت جهداً بالغًا في محاربة تجار الدولار بلا فائدة، وأن الدولار كان قبل قرار التعويم يملك سعرين للصرف مقابل الجنيه السوداني، سعر رسمي من البنك المركزي بلغ 55 جنيه منذ النظام البائد حتى تاريخ 20 فبراير الماضي، ووصل سعره في السوق الموازي (الأسود) لأكثر من 400 جنيه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا يبيع المواطن الدولار بسعر أقل مادام سعره في السوق الموازي مرتفع لاضعاف سعر الصرف الرسمي وسط تضخم كبير في أسعار السلع الأساسية ومواد البناء؟ ولماذ المستثمر الأجنبي أو الشركات الكبرى تحضر إلى السودان وتكون مجبرة بصرف الدولار منخفضاً في البنوك السودانية عن السوق الموازي وتخسر هذا الفرق الكبير؟ .

و للإجابة عن هذين السؤالين، سأُخبرك بأن تحويل المغتربين السودانيين بلغ فقط في العام 2019 من العملات الصعبة عن طريق السوق الموازي (السوق الأسود) 9 مليار دولار ، في حين كان أقل من 150 مليون دولار عن طريق القنوات الرسمية عبر الشركات أو المستثمرين !

وهذا بالتالي أدى لأن تكون قرابة 90٪ من هذه الأموال خارج النظام المصرفي وخارج عيون الدولة وبدون رقيب أو حسيب فأدى ذلك لإنتشار غسيل الأموال وإزدياد طباعة العملة المحلية أو تزويرها.

كل هذا أدى لإنعدام العملات الصعبة في البنوك وعدم وجود سيولة لشراء الاحتياجات الخاصة بالبلاد، وأدى بالتالي لزيادة إنهاك الحكومة لتغطية هذه الفجوة الكبيرة من النقص في النقد الأجنبي بالإقتراض من البنك الدولي وسط تضخم فاق 300٪.

سياسة التحرير وتعويم الجنيه :

تعويم الجنيه السوداني ، ما هو وما الاسباب ؟

التعويم هو تخلي الحكومة أو البنك المركزي عن تحديد أو تقييد سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأخرى ودون تدخل، بحيث يتحدد السعر بناءًا على العرض والطلب، فإذا كان الدولار متوفراً في السوق فسينقص سعره مقابل العملة المحلية والعكس صحيح.

وبالتأكيد في هذا القرار مخاطرة كبيرة وبالذات في أن الفجوة بين الصادر والوارد كبيرة جداً ناهيك عن أن الحكومة لا تمتلك إحتياطي من العملات الصعبة يغطي حاجة البلاد من الضروريات، ولكنها بهذا القرار أيضاً كسبت ثقة المستثمرين الذين سيرون أن عملاتهم الصعبة بهذه الطريقة ستُصرف بمبالغ كبيرة بالعملة المحلية .

طالع أيضاً :-

مما سيساعدهم في إنشاء المصانع ومتطلباتها من بناء وإيجار وكهرباء أو استيراد أو عمالة محلية، ليحققوا الكسب والربح الوفير، ناهيك عن إنتشار الدعوات الإسفيرية للمغتربين بالتحويل عبر البنوك والقنوات الرسمية لدعم هذا القرار وسد الفجوة الكبيرة تخفيفاً للأعباء على الحكومة الإنتقالية المدنية.

هذه الدعوات أصبحت ترند عالمي منذ تنفيذ قرار التعويم إلى الآن بوسم #حول_قروشك_بالبنك تصدر كل مواقع التواصل الإجتماعي والمنصات الاعلامية ووجد إشادة عالمية عكست معدن الشعب السوداني الأصيل للعالم أجمع.

أمثلة دولية على تجربة التعويم :

الجنيه المصري استفاد من التعويم !

من الدول التي تبنت هذا القرار وكانت تمر بتجارب شبيهه بالإقتصاد السوداني، مصر ولبنان والعراق وليبيا والمغرب.

فمصر مثلًا عندما طبقت قرار التعويم في 3 نوفمبر 2016، حققت إحتياطي نقد أجنبى وصل حتى الآن إلى 40 مليار دولار وكان قبل التعويم 13 مليار دولار، وبالنسبة للتضخم انخفض لأقل من بعد أن بلغ 35٪ وحققت فائض أولي من الناتج المحلي الإجمالي يصل لأول مرة إلى في 2019م هذا غير الإستثمارات الأجنبية التي دخلت وساهمت في إرتفاع الصادرات.

ما الفائدة المرجوة من التعويم على المواطن :

انهار السوق الاسود وأصبحت البنوك هي الملجأ !

لأول مره منذ عشرات السنين يحول المواطنين السودانيين بالبنوك السودانية أو يصرفون فيها عملاتهم الأجنبية، وهذا أسهم بصورة مباشرة في ضرب السوق الأسود والذي بدأ فعلًا في التلاشي تدريجيا ليكون هناك سعر واحد رسمي للعملات المحلية وهو سعر البنك المركزي.


كل هذه الأمور ستنعكس على المواطن مباشرة في قدرة الحكومة على توفير السلع الضرورية واستيرادها وكبح جماح الارتفاع الجنوني للسلع الاستراتيجية المربوطة بالعملة الصعبة وبالتالي ستخف الصفوف وندرة الوقود والغاز تدريجياً، وبدخول الاستثمارات الأجنبية وإنشاء المصانع والشركات ستُخلق فرص عمل تُسهم بشكل فاعل في تخفيف حِدة البطالة وارتفاعها.

معدن السودانيين الأصيل :

السودانيين وقفوا كالجسد الواحد في سبيل إصلاح وطنهم !

لم نتفاجأ من وطنية السودانيين وحبهم لبلادهم فقد خبرناها العام الماضي عندما إجتاحت السيول المدن السودانية المتاخمة لنهر النيل، وسط صمت العالم وتخاذله عن تقديم العون الإنساني فكانوا وقوفًا جنبًا إلى جنب مع الحكومة، وكذلك انتشرت التخفيضات من قبل المحلات التجارية والشركات دعماً للمواطنين الذين يصرفون عملاتهم الصعبة عن طريق البنوك.

ولكن أيضًا فوجئنا بفتوى أصدرها رجل الدين الدكتور عبد الحي يوسف المُقرب من الرئيس المخلوع للنظام البائد عمر البشير، عبر قناة طيبة، يُحرِّم فيها تحويل الأموال عبر البنوك بحجة أن الحكومة الإنتقالية غير مؤتمنة لأن رأسها معطوب، مما زاد استهجان الرأي العام عليه، بل زادوا مبالغ تحويلاتهم ووعدوا بأنهم لن يحولوا إلا عبر الطرق الرسمية ودعوه هو الآخر للتحويل عبر البنك.

سلبيات تعويم العملة :

له سلبيات على المدى القريب !

اتخاذ قرار تعويم العملة، في ظل ظروف اقتصادية مضطربة كما في السودان أو في دول بها عدم استقرار أمني كما في العراق أو ليبيا، قد يصاحبه مجموعة من السلبيات على الصعيد الاقتصادي والإجتماعي،

وأولى هذه السلبيات ارتفاع معدلات التضخم قليلاً، وسيادة حالة من الركود والترقب للوصول لرصد حقيقي لحركة السوق (العرض والطلب) ، لذلك نتمنى أن يكون الوضع الإقتصادي والأمني في البلاد مستقرًا.

دورك كمواطن إيجابي :

من أجل وطنك !

يجب عليك كمواطن في المجتمع أن تَوعى وتتعرف على أي قرار أو أي رأي من حولك، وأن تتابع تجارب القرار في الدول التي طبقته وتقيس بنفسك سلبيات القرار وإيجابياته قبل أن تتحدث عنه، وبعد ذلك تنشر رأيك الخاص وتوعي من حولك به.

ولتعلم يا عزيزي القارئ أن القرار الصحيح يهاجمه المُغرضين والقرار الخاطئ يهاجمه الوطنيين.

– فما رأيك بقرار التعويم وهل تعتقد أنه سينجح أم سيفشل؟

المصدر
أولثاني

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. قرار سليم.
    الاقتصاد المعافى يبنى على جعل المعاملات المصرفية متداولة عب أنظومة البنوك.
    وتبقى في الحلق غصة.
    عليه مفروض يكون هنالك منظومة الكترونية و IT INFRASTRUCTURE
    وحس وطني خالص.
    التقاس والتمدد الفكري الكلاسيكي مفروض يتلاشى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى