الأدبثقافةقصص ناجحةمنوعات

توثيق: الشاعر والفنان والملحن عبدالكريم الكابلي ضمن مشروع أهم الشعراء السودانيين

لم يعرف أحد كيف ذابت كل تلك المحاسن الإبداعية في شخصية واعدة، لا يستطيع أحد توصيفها فمن النادر جدا أن تجتمع كل عناصر الإبداع في إنسان واحد، ولكن كل هذا الجمال والتفرد والابداع وجد في شخصية الإنسان الشاعر والفنان والملحن عبد الكريم الكابلي بما جمعت أنامله من باذخ المفردات التى تغنى بها للوطن والسلام.

عبدالكريم الكابلي الفنان القامة الذي تجده يتحدث في كل لقاءاته بعمق عن التراث الشعبي السوداني بل نبش هو ذلك التراث، وجلب لنا أغانيه وأشعاره وأضاف الكثير من إبداعه على الطيوب التراثية، وأكسبها رونقا وجلالا.

وغلب الأجيال الحالية من الشعراء، وتفوق في قرض الشعر الذي يتحدث بلسان شعوبنا، بلمسته الحانية وإخراجه الودود اللطيف.

من هو الشاعر عبد الكريم الكابلي؟

عبد الكريم الكابلي مطرب وشاعر وملحن وباحث في التراث الشعبي السوداني.

ولد في مدينة بورتسودان ولاية البحر الأحمر في عام 1932، والده عبد العزيز محمد عبد العزيز بن يوسف بن عبد الرحمن وتزوج بمدينة القلابات من صفية ابنة الشريف أحمد محمد نور زروق من أشراف مكة اللذين هاجروا إلى المغرب ثم جاؤوا للسودان لنشر الدعوة الإسلامية .

نشأ وشبَّ في مرتع صباه ما بين مدن بورتسودان وسواكن وطوكر والقلابات والقضارف والجزيرة خصوصا منطقة أبوقوتة وكسلا.

مسيرة الشاعر عبدالكريم الكابلي التعليمية

تلقى دراسته بخلوة الشيخ الشريف الهادي والمرحلة الأولية والوسطى بمدينة بورتسودان والمرحلة الثانوية بمدينة أم درمان بكلية التجارة الصغرى ( لمدة عامين ).

وبعد أن تخرج منها التحق بالمصلحة القضائيه بالخرطوم وتعيّن في وظيفة مفتش إداري بإدارة المحاكم وذلك في العام 1951م وعمل بها لمدة أربعة سنوات تم نقله إلى مدينة مروي.

حيث مكث بها لمدة ثلاثة سنوات إلى أن تم نقله مرة أخرى إلى مدينة الخرطوم واستمر بها حتى وصل إلى درجة كبير مفتشي إدارة المحاكم في العام 1977 م.

و بعد ذلك هاجر إلى المملكة العربية السعودية ليتعاقد مع إحدى المؤسسات السعودية مترجما في مدينة الرياض في العام 1978 م ولم تستمر غربته طويلا حيث عاد إلى السودان في العام 1981 م ليواصل رحلته الإبداعية مرة أخرى.

نجد أن الكابلي يحمل في عروقه ثراء التنوع الثقافي.. شيء من الشرق وشيء من الغرب وشيء من الشمال.. بدأ تفتحه اول مرة عبر مسالك الاناشيد المدرسية وهو ما زال يعزف على آلة الصفارة, وأدى تشجيع احد اساتذته الى نيله جائزة في القاء الشعر وهو ينشد رائعة صفي الدين المحلي (سل الرماح العوالي عن معالينا) .

بداياته الفنية

وانتقل من المدرسة المتوسطة الى الثانوية وهو يجيد العزف على آلة العود.. وعندما بدأ المد الثوري ينتظم حركة التحرر في دول العالم الثالث، تغنى الكابلي برائعة الشاعر تاج السر الحسن أنشودة آسيا وأفريقيا بحضور الرئيس عبد الناصر.

تمتاز اغانيه بثقافتها الواسعة، ويعد امتدادا اصيلا للطرب الجميل، ظل مخلصا لفنه وطريقه الذي اختاره منذ البداية.

وللكابلي عطاءات لا تنضب في مجال الفن خاصة في مجال تطوير الاغنية السودانية، فهو من القلة الذين سعوا بجد وعملوا على انتشارها خارج حدود السودان.

ناهيك على انه يعد واحدا من المطربين ذوي الثقافة العالية الى جانب كونه اديبا وشاعرا مشهودا له بالكفاءة والاقتدار.

إختار الكابلي من تراث الشِعر العربي و من الشِعر الأموي والعباسي، واختار لنا من شعراء النصف الأول من القرن العشرين .

وأنطقها جميعاً وفق حنو السلم الخماسي وسلاسته ، وجوّد لحونه ، فكان رفيقاً بالنُطق العربي الفصيح ، يتتبع فراغات اللحن التي يستبينها من بين فقاعات موسيقى الشِعر ليرسم عليها.

أظهر هو قدرته التي تفوقت على نفسها ، بتقريب هذا الشعر الفخم الجزل ، ووضع له ألحان توافق البيئة الثقافية السودانية .

اختار هو لنا من عيون شِعر المُخضرمين من الشعراء السودانيين ، وأنار ذلك الأرخبيل بوهج اللحن الصدّاح .

وعرف العامّة شاعر الدهليز ” توفيق صالح جبريل ” ، بأيقونته المُزهرة ” كسلا” ، كما عرفوا من قبل القلعة التي تسمى بها الحي الأمدرماني المشهور :

نضّرَ اللهُ وجهَ ذاكَ الساقي** إنه بالرحيقِ حَّل وثاقي

فتراءى الجمالُ مزدوجَ الإشراقِ** يصبو ُمعَّدد الآفاقِ

وابنة القاشِ إن سرى الطيفُ**وهناً و أعتلى هائماً فكيفَ لَحاق

و الُمنى بين خصرِها و يديها **و السنا في ابتسامِها البَّراقِ

كسلا أشرقتْ بها شمسُ وجدي** فهي بالحقِ جنّةُ الإشراقِ

كانَ صبحاً طلقَ الُمحيا ندياً** إذ حللنا حديقةَ الُعشاقِ

نغمُ الساقياتِ حرّكَ أشجاني** و هاج الهوى أنينُ السواقي

بين صّبٍ في ِحبَّه متلاشٍ** و حبيبٍ ُمستغرقٍ في ِعناقِ

ظلّتِ الغيدُ و القواريرُ صرعى **و الأباريقُ بتنَ في إطراقِ

أأتني بالصبوحِ يا بهجةَ الروح** ُترْحني إن كانَ في الِّدن باقِ

الشاعر توفيق صالح جبريل

عرفنا كيف غرف من بركة الشاعر المُجيد ” محمد المهدي المجذوب ” ، وأتانا في زمن الترقُب لوهج أغنيات متصوفة، وقد تدثرت بثياب التديُّن الشعبي ، تحكي كيف صنع التاريخ ملاءته الفضفاضة من عبق النور المُحمدي وأشعّ في أرجاء الكون :

درج الناس على غير الهدى
لا يبالون وقد عاشوا الردى
جنحوا للسلم أم ضاعوا سدى
أيكون الخير فى الشر انطوى
والقوى خرجت من ذرة هى حبلى بالعدم
أتراها تقتل الحرب وتنجو بالسلم
ويكون الضعف كالقوة حقا وذماماً
سوف ترعاه الأمم
وتعود الأرض حباً وابتساماً
ربّ سبحانك مختاراً قديراً
أنت هيأت القدر
ثم أرسلت نذيراً للبشر
آية منك ونوراً

الشاعر محمد المهدي المجذوب

نقل قصيدة الأديب ” عباس محمود العقاد ” من بين أسفار مجمع اللغة العربية بالقاهرة :

وهذا النور يبسُم لي
عن الدُنيا ويفترُّ
وأنظرُ لا أرى بدراً
أأنت الليلة ُ البدر
وبي سُكرٌ تملّكني
وأعجبُ كيف بي سكرُ
رددت الخمرَ عن شفتي
لعل جمالك الخمرُ.

الشاعر عباس محمود العقاد

وأوغل في القومية العربية عند ازدهار قادتها ، فكانت أغنية شاعرها ” أبوآمنة حامد “:

قُم صلاح الدين وأشهد بعثنا
في لقاء القائد المنتصر
شعبنا الأسمر من فرحته
يزرع الدرب بحُبٍ أخضر.

وغنى هو للوطنية في ثورة أكتوبر من أشعار ” عبد المجيد حاج الأمين ” :

هبت الخرطوم في جنح الدُجى
ضمّدت بالعزم هاتيك الجراح
وقفت للفجر حتى طلعا
مشرق الجبهة مخضوب الجناح
يحمل الفكّرة والوعد معا
والأماني في تباشير الصباح
فالتقينا في طريق الجامعة
مشهد يا وموطني ما أروعه.

اختار أن يُغني للمرأة ، من أشعار ” عيسى جربا” :

أي صوت زار بالأمس خيالي ؟؟
طاف بالقلب و غنى للكمال
واذاع الطهر في دنيا الجمال
و اشاع النور في صوب اليالي
انه صوتي أنا ,اوا تدري من انا ؟!
أنا أم اليوم أسباب الهنا
أنا من دنياكمُ أحلى المنا

من دفاتر أغنياته

أكاد لا أصدق – أمطرت لؤلؤا – آسيا وإفريقيا – أغلى من عيني – أكيد ح نتقابل – السودان الجديد – الشيخ سيّرو – إلي متي يا قلب – أمير – حبك للناس – حبيبة عمري – خال فاطمة – خِلي العيش حرام – دمعة الشوق – روعة الليل – زمان الناس – زينب – سعاد – سكر – سلمى – شذى زهر – شربات الفرح – شمعة – ضنين الوعد – غزال الروض – فتاة اليوم والغد – فقدت حبيب – في طريق الجامعة – في عز الليل – كسلا – كل الجمال – كل يوم معانا – كنت في حفلة – لؤلؤة بضة – للذكرى – لو تصدق – لوإنت نسيت – ليس في الامر عجب – ليلة المولد – ما بنخاصم – ما تخجلي – ما خلاص نسيتنا – مرايا – مروي – مشاعر – معللتي – ناصر – نشيد التعاون – نوم عيني – هات لينا صباح – وصف الخنتيلة – يا جار – يا حلو – يا حليلك ياحليك – يا ستّار علي – يا نسيم قول للازاه – يا هناء – ياهاجر.

يقولون إن الفنان العظيم قد نجى ، قد كان على شفا حفرة حفرها الملفّحون بثوب الجهالة ، حين أضمروا للفن بيتاً من ورق ، تعبث فيه الريح كما تشاء . ونجى هو من الظلم المُبين الذي حاق بالجميع .

كتب هناك في أرض ما بعد بحر الظلمات ، كتابه الإنكليزي ” أنغام لا ألغام ” .لن ننس ونحن نُضيء سيرته الخضراء ، بأنه باحث مُجتهد في التراث ، له إسهامات خلال خمسين عاماً من العطاء النثري والفني والغنائي .

اشترك في إعداد برامج تلفزيونية ، وقدم مُحاضرات مُتخصصة في أشعار وأغنيات التُراث السودانية ، أصولها ومعانيها الغامضة لأبناء وبنات أجيال اليوم . استطال وتعملق ، فحجز لنفسه مقعداً بين النجوم ، ولم يزل مُتلألئاً مثلها.

المصادر: مصدر أول، ثاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى