مجتمع

حرية الرأي والتعبير

يعتبر الفيلسوف جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill (1806 – 1873 من أوائل من نادوا بحرية التعبير عن أي رأي مهما كان هذا الرأي غير أخلاقيًا في نظر البعض حيث قال ” إذا كان كل البشر يمتلكون رأيًا واحدًا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيًا مخالفًا فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة ” ، ومن ذلك الوقت بدأ مفهوم حرية الرأي والتعبير بالظهور.

ما هي حرية الرأي و التعبير :

هي الحق السياسي لإيصال أفكار الشخص عبر الحديث أو النقل أو الكتابة في أي وسط إجتماعي، لذلك نجده يخضع للتقييد في الدكتاتوريات المستبدة كما كان الحال إبّان فترة حكم نظام الإنقاذ البائد في السودان.

حرية الرأي والتعبير في المعاهدات والمواثيق الدولية :

علم حرية التعبير تم إبتكاره في العام 2007م

يجب في البدء أن نعلم أن الاتفاقيات الدولية تكمن أهميتها في تكوين مجتمعات أكثر إنسانية وعدالة لضمان صون كرامة الأفراد والتحرر من الخوف والقهر لتضمن ترسيخ مبدأ الحرية المنشودة في الراي والتعبير.

لذلك أُنشئت المادة ١٩ في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام ١٩٤٨م والتي نصت على (لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود.)

أهمية حرية الرأي والتعبير وأثرها :

إن قدرة الأفراد والمجتمعات على التعبير بحرية من أهم الحقوق التي يجب أن يتمتع بها المجتمع، فهذا الحق يحظى بدور محوري يُميزه عن باقي الحقوق والحريات.

وهو أنّه يساهم في تعزيز كافة الحقوق الإنسانية، فهو يعتبر بوابة التغيير المجتمعي وعلامة التطور الحضاري، لأنّ الرأي الواحد لا يصنع التنمية ولا الإبداع.

حرية الرأي والتعبير في السودان ميلادها ومآلاتها :

قوانيين عديدة لحرية الرأي والتعبير في السودان ولكن !

إن أول تشريع سوداني صدر عقب الإستقلال عام ١٩٥٦م في ظِل الدولة السودانية الديمقراطية الوليدة ( إن لجميع الاشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم ولهم الحق في تأليف الجمعيات والإتحادات في حدود القانون) .

وتكرر هذا النص في دستور ١٩٦٤م عقب ثورة أكتوبر وكذلك في دستور ١٩٧٣م مع إضافة حرية العقيدة وآداء الشعائر الدينية دون إخلال بالنظام العام.كما أن دستور ١٩٨٥م في المادة ١٩ نَصّ بأن (لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير والنشر والصحافة في حدود القانون)، وفي العام ١٩٩٣ نصّ (مرسوم دستوري) بالرقم ٧ المادة ٣ على (إن واجب المواطن البالغ إجتهاد الرأي وإبداؤه بالنُصح العام وحقه القانوني في حرية التعبير العام والمشاركة في العمل الا بضابط القانون).

أمّا في العام ١٩٩٨م صدر دستور السودان وقد إشتمل في المادة ٢٥ على التالي ( تُكفل للمواطنين حرية التعبير وتلقي المعلومات والنشر والصحافه دون ما يترتب عليه إضرار بآلات النظام أو السلامة أو الآداب العامة).

يُلاحظ أن جميع الدساتير المقدمة اتفقت على مبدء حرية التعبير ولكنها لم تتفق على كيفية ممارسة تلك الحريات المحددة بالقوانين والصياغة للحقوق العامة في دستور ١٩٩٨م لتنسف أهمية المادة ١٩ في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي أنشئت لضمان حرية الآراء وممارستها بدون مضايقة.

مبادئ الثورة السودانية :

” حرية ” هي أولى شعارات الثورة السودانية

بالتأكيد المتابع للثورة السودانية منذ إنطلاقها في ديسمبر 2018 م ضد الرئيس المعزول عمر البشير، كان متابعًا لسيطرة النظام البائد التامة على الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، وتم تجنيد العديد من الصحفيين والإعلاميين ليُعتّموا على أحداث الثورة ويقللوا من تأثيرها ويصفوا مروجيها بالعمالة الخارجية والإرتزاق والخيانة، ناهيك عن القبضة الأمنية الحديدية التي كانت في تلك الشهور ضد أي رأي مخالف لهذه الحملة الإعلامية المدفوعة الأجر مسبقاً.

خرجت الثورة السودانية بشعار حرية سلام وعدالة وبكل سلمية فسقط فيها الشهيد تلو الشهيد من خيرة شباب هذا الوطن المكلوم حتى أُسقطت أعتى حكومة دكتاتورية حكمت هذه البلاد.

طالع أيضاً :

ومن المؤسف والمحزن حقاً أن معظم تلك الأقلام المأجورة مازالت تكتب حتى الآن دون إستحياء رغم تلك الدماء التي أُهدرت بدون وجه حق، لأنها أمنت العقاب فأساءت الأدب بسبب ضعف الحكومة الإنتقالية في معاقبة المحرضين وناشري العنصرية القبلية وعدم شفافيتها معنا كمواطنين في متابعة سير التحقيقات معهم، ففي كل يوم نسمع عن إعتقال أحدهم بتهم تقويض النظام الدستوري، وهي تهمة عقوبتها الإعدام، ونسمع بعد أيام بإطلاق سراحهم ليعودوا إلى ما كانوا عليه من قبل.

المطلوب من الحكومة :

انزال شعارات الثورة على أرض الواقع هو أهم تحديات الحكومة الإنتقالية في السودان

إن ممارسة التحريض وبث الكراهية والتفرقة العنصرية من قِبل الأغلبية في المجتمع ضد الأقلّيّات فيه، يعتبر أمراً خطيرا للغاية وسيزيد من حالة الاستقطاب التي لم تهدأ إلى الآن بين مكونات المجتمع ونسيجه المهترئ بسبب سياسات النظام البائد، وبالذات في مرحلة السلام الذي تم توقيعه لرأب الصدع بين مكونات المجتمع المدني.

إذا إستمرت الحكومة الانتقالية في تجاهل هذا الخطاب العنصري والتحريضي فإن واقع الحال ينذر بكارثه مجتمعية قد تصل أبعادها لإقتتال قبلي بين مكونات المجمتع كما حدث في عدة دول أفريقية من ضمنها رواندا. لذلك يجب على السلطات الأمنية والعدلية والمدنية حسم هذه الفوضى وتوضيح الخط الرفيع بين حرية التعبير وآدابه.

دورنا من التوعية المجتمعية :

لنعي بواجباتنا

كنت قبل أيام في زيارة للأستاذ حسين خوجلي بمنزله للإطمئنان عليه بعد خروجه من السجن وفقدانه لبصره، وأخذت معه صورة تذكارية بحكم علاقتي به منذ أكثر من عشره سنوات، وبحكم الجيرة التي بيننا.

ولاقت هذه الصورة الشخصية إستهجاناً بالغاً من معظم الأهل والأصدقاء بحكم معرفتهم بدعمي الصريح والواضح للحكومة المدنية وموقفي الثابت من جرائم النظام البائد.

ولكن يجب علينا أن نفرق بين قناعاتنا وآرائنا الشخصية وبين علاقاتنا الإجتماعية بين الشخوص، فنحن لسنا الجهة المنوطة بمحاكمة أو محاسبة أي فرد كان أو إطلاق الإتهامات عليها بدون أدلة جنائية، وإلا فأين دولة العدالة والقانون التي ننشدها ونحلم بها بعد هذه الثورة المجيدة !

قال الرئيس الكوبي الراحل:

ليست الثورة طريقا مفروشا بالورود، بل هي صراع بين المستقبل والماضي.

وأعتقد أن الصراع المقصود هنا، هو المقاومة ليكون هناك عدل.

المصدر
أولثاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى