الأدبثقافةمجتمعمنوعات

حوار : الشاعر صالح محمد طه ضمن مشروع أبرز الشعراء السودانيين

الشاعر صالح محمد طه في البدء نُرحب بك شاعرنا العظيم لهذه الإطلالة الجميلة لنجلس معًا في وريقاتٍ واحدة، كما نُرحب بجمهور القرّاء من خلف الشاشات، آملين في تحقيق وفاقٍ جميل للشاعر الذي يُعد سفير للمشاعر، في البدء تاركينَ لك سؤال الافتتاحية ..

من هو الشاعر صالح محمد طه على وجه الخُصوص ساردًا لنا التعريف والنشأة والسيرة التعليمية؟

أنا صالح محمد طه صالح طالب بكلية الطب السنة الرابعة. شاعر يكتب باللغة العربية الفصحى.

نشأت ونميت في جزيرة الفيل بمدينة ود مدني. درست الأساس بمدرسة شقدي بنين والثانوية بمدارس الدكتور مكي الطيب. والآن أدرس بجامعة الجزيرة كلية الطب.  

قلنا سابقًا أنّ الشاعر هو سفير للمشاعر، وبحرًا جميل لما لا تصف لنا رحلتك منذ أن أبحرت في هذا المجال، متى ﻭﺃﻳﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻭﻝ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺷﻌﺮﻳﺔ ﻟﻚ؟

كانت عادتي إلقاء قصائد أحفظها في طابور الصباح بمدرسة الأساس. طبعا لم تكن تلك القصائد من مكتوبي ولكنني تجرأت يوماً على كتابة ما أسميته قصيدة وقتها وعمدت بها إلى أستاذ اللغة العربية لينظر في أمرها فأغمضها في يده ورمى بها وحذرني أن احفظ ولا تكتب! 

منذ تلك اللحظة عكفت على نفسي واشتغلت بالشعر ماراً بمراحل عديدة تأثرت فيها بعدد من الشعراء أهمهم أحمد شوقي وأبو الطيب المتنبئ ثم ليس ببعيد أقلعت عن فكرة التأثر بشاعر معين بل أحاول أن أضبط شعري على المنهج النقدي عند العرب. قدوتي في ذلك الأستاذ أبو قيس محمد رشيد أطال الله في عمره ونفع به. 

للشِعر دروبٌ عِدَّة، وبحورٌ كثيرة، وألوان مُتفرَّعِة، إين يجد الشاعر صالح محمد طه نفسه؟ ولماذا اختار هذا اللون المُحدد؟

أجد نفسي في الشعر العربي الفصيح على نهج العرب الأوائل الجاهليين والإسلاميين والأمويين والعباسيين وشعر قليل من المتأخرين. لم الشعر الفصيح؟ لأن اللسان العربي الفصيح هو أفصح الألسنة على الإطلاق لنزول القرآن الكريم على لغته والشعر هو ذروة سنام هذا اللسان الفصيح. طبعا هنالك تفاوت في الشعر بين هذه الحقب الزمنية المختلفة فالشعر الجاهلي أجود الشعر لكنه الأصعب في النظم على منواله فأنا أحاول أن أتقرب بشعري إلى شعر العباسيين والعذريين والغزلين.    

مثلما نعرف بأنَّ الشِعر في الزمان القَديم كان يخدمُ أغراضًا عِدة، وبأن شاعِر الجاهلية يمتاز بالبسالة والفروسية ومُعظم الشِعر بكل أنواعه تدخُل فيه هذه الخِصال وإن كانت ليست بصريح العبارة، في نظرك هل هنالك اختلاف كلي في تغَيُّر نمط الشِعر من الزمن السابق؟ وإلى أي مدى كان هذا التغير مؤثرًا سوا۽ سلبًا أو ايجابًا؟!

هنالك تغير كبير وواضح في كلا الأمرين  أغراض  الشعر وأنماطه. أما ما كان من تغير أغراض الشعر فهو أمر عادي فأغراض الشاعر وليدة بيئته وكما بكى الشاعر القديم الأطلال وافتخر بقبيلته وفروسيته فلشاعرنا المعاصر أن يكتب شعراً سياسياً وقوميا هو نتاج بيئته أيضا. وحتى الأغراض المشتركة كالغزل مثلا فيختلف من زمان لآخر.

أما ما كان من تغير أنماط الشعر فهنا يشتد النقاش فقد ظلت أنماط كتابة الشعر العربي الفصيح تتغير منذ انتشار الاسلام إلى يوم الناس هذا. وقد يعزى ذلك إلى اتساع رقعة الأمة ودخول العجمة فيها ثم التمدن المتزايد والتزهيد في الشعر إلى انقسام الأمة وطغيان اللهجات الشعبية على اللغة الفصحى ما أنجب أنماط من الشعر لا تمد بسبب إلى اللسان العربي الأصيل بل تميل عنه كل الميل كشعر التفعيلة والقصيدة الرمزية وغيرها. فالشعر الجاهلي في زماننا غريب كأنه عجمة ولو رجعت بشعرنا إلى زمانهم لأنكروه وما عرفوه. وهذا التغير سلبي بلا مثنوية فالشعر الفصيح الحالي في جملته وليس على تفصيله سخيف مقارنة بالشعر القديم.  

لو تحدَّثنا عن الشِعر في السودان على وجه الخُصوص، نجد أن السودان غني ومٌشبع جدًا بالألوان والمدارس الشِعرية المتعددة، تحدث لنا عن واقع الشِعر والقصائد في السُودان؟ وعدد لنا شُعراء صاروا رمزًا للشِعر في هذا البلد؟

يمتاز السودان أكثر ما يمتاز بالشعر التراثي كشعر الدوبيت والمربعات وغيرها من الشعر ذي اللهجة الدارجة وقلما يشتهر شاعر يكتب بالفصحى وعلى ما أعتقد أن إدريس محمد جماع هو أبرز رمز شعري فصيح سوداني أما عن الألوان الأخرى فللأسف لست من المتابعين.  

ماذا يمتلك الشاعر صالح محمد طه صالح من دواوين شِعرية أو قصائد؟

لا أمتلك ديوانا أدبيا يجمع أعمالي الحالية لأنني ما زلت في مرحلة التحسن ولم أنضج بعد. ولكن لدي عدد لا بأس به من القصائد بعضها أرتضي نشره وبعضها لا. 

لو أتيحت لك الفُرصة لتكون شاعرًا آخر مِن الشعراء أو الأدباء المعروفين فمن تكون؟

لقد أحببت طرفة بن العبد من معلقته. 

يري بعض النُقاد بإن الشِعر في السودان أخذ مجرىً آخر غير الذي عهدناه وبأن مجمع الشُعراء لم يحافظوا على وضاءة  الكلمة الشعرية والمفردة الأصيلة فتراجعت إلى الأسفل، وذلك نسبةً لعدم توافق الشعراء والجمعيات الأدبية لوضع ضوابط صارمة تُحَكِّم لنا المُفردة نفسها. فهل توافق النُقاد بأنه صار هنالك انحدار للمفردة الشعرية؟ وماهي العوامل التي أدت لانحدار وتشتت الأدب في السودان؟

هذا الأمر صحيح بلا شك ولكنه ليس مقتصرا على السودان فقط بل هو أمر جامع لكل أنحاء الوطن العربي فكما قلتم أن عدم الاتفاق على الضوابط التي تفصل بين الكلام الجيد والرديء وتفاضل بين الجيد قد جعل الأمر نسبيا تحكمه الأذواق صحيحها وعليلها فشاع اطلاق لفظ شاعر على كل من هب ودب. أما أسباب التقهقر في السودان بالتحديد فهذا أمر تتسع نواحيه. 

يُقال الشاعر سفيرٌ للمشاعر وصوتٌ لمن لا صوت له، ما هي رسالة الشاعر صالح محمد طه صالح؟

ليس بالضرورة أن يكون الشاعر صوت أحد غيره بل قد يكون شعره ذاتيا بحتا ولكن يسير من الشعر ما كان يعبر عن خواطر الناس، ذلك الشعر الذي يجد الناس في أنفسهم معانيه ولا يجدون القدرة على كتابته. أما أنا فلك أن تقول أنني صوت كل غَزِل. 

كيف ترى الشاعر صالح محمد طه صالح في المستقبل؟ وحدثنا عن مشاريعك الأدبية في المستقبل؟ وهل سوف نحظى بمؤلفات أدبية في القريب العاجل؟

أما عن المستقبل فأرى فرصة كبيرة للتحسن والتطور لأكون عن حق امتداداً لتاريخ الأدب العربي فيذكر اسمي مقرونا به. كما أخبرتك أنا ما زلت في مرحلة النضج ولكن عن قريب سأحاول أن أنشر عددا من قصائدي المنقحة. 

ماهي الرسالة التي يوجهها الشاعر صالح محمد طه صالح لجمهور الشعراء ولزملائك في المجال داخل وخارج البلاد؟

لجمهور الشعر أقول تخيروا لأذواقكم وعودوها على الشعر القديم فهو أجمل بكثير . أما لإخواني الشعراء فلتضبطوا عيار الشعر عند العرب ولا تزهدوا في شعرهم القديم فإنه نعم الغنيمة فحصلووا وقاربوا وتشبهوا. 

في إطار هذه الفسحة الحوارية الجميلة أمتعنا بقصيدة أو اثنتان من شِعرك المُقفّى!

وليلةَ أخْلفْنا التراويحَ علَّنا * يُبَلُّ لنا ظِمْأٌ ويهْنا لنا وصلُ 

أتتْ في الْتفاتٍ تحسبُ الظلَّ تابعاً * على خَجْلةٍ حتى كأنْ وقعَ العذلُ 

يُخالجُها شوقٌ وذنبٌ تخافُه * ففي سيرِها ويلٌ وفي ردِّه ويلُ 

مُحيَّرةٌ تزدادُ في السيرِ لهفةً * وتوشِكُ أنْ ترْتدَّ لا تدري ما الفعلُ 

فلمَّا رأتني أبشرت وتزايلت * عَمايتُها وانْحلَّ عن كفِّها الغُلُّ 

تضيء كأنْ بالبدرِ أقبلَ وجهُها * أوِ الحورُ في الدنيا لناسلِها نسلُ 

وتدنو كأنفاس الصباح لطافةً * ويعبَقُ منها الياسمينةُ والفلُّ 

وأحسبُ أنِّي حينها متوسِّدٌ * من اسْتبرقٍ وعليَّ من جنَّةٍ ظلُّ 

فلمّا جلسنا واطْمأنَّ حديثُنا * رعتْ مقلتي حسناً يعِزُّ له كِفلُ 

ببسَّامةٍ تجلو نقيَّ عوارضٍ * جلاءَ اقْحوانٍ بات بلَّلهُ الطلُّ 

لئنْ وازنتْ كلَّ النساءِ تزنْهُمُ * بعينينِ كحلاوينِ ما بهما كحلُ 

رقيقةُ لا يُقْفى إذا تمشي أَثْرةٌ * وإن تغْشها هوجٌ من الريحِ تَعْتلُّ 

بغُصْنيَّةِ المتنَينِ حتَّى إذا مشتْ * تميلُ وما من شأنِ عِفَّتِها الميلُ

تَحدَّثُ في دلٍّ لطيفٍ ورِقَّةٍ * فيوشكُ قلبي عن ضلوعيَ ينْسلُّ 

تقولُ إذا أنهى الإمامُ رُكَيْعةً * أطِلْ شيخَنا واللهِ ما قَصُر الليلُ 

ألا تذكرُ الأيامَ نأتَمُّ خلفه * فتَوْرمُ رِجْلانا كأنْ ما له رِجلْ 

لطيفةُ نفسٍ لا أملُّ حديثَها * فكلُّ حديثٍ جاء من فمها يحلو 

أقولُ لها شعراً فتُرخي خمارَها * وتغضي حياءً كاسياً بعضَه الدلُّ 

تقولُ لقد علَّقتَ بالشِّعرِ غيرنا * وأنتم بأنْ تُغْوُوا بقِيلِكُمُ أهلُ

فقلت لها ما طاوع الشعر غيركِ * وليت لساني قبل ينطقُ ينْشلُّ 

وإن زاغ طرفي عنك طوعَ خليقةٍ * فيا ليت طرفي حين ذلك يحْولُّ 

فقالت ألا سُلِّمتَ لا مسَّ ضائرٌ * فؤادَكَ أو فلْيفْزَعَنْ أُمِّيَ الثُّكلُ

فبِتنا نساقي بعضَنا الحب صافياً * بِطِينَتِها طُهْرٌ وفي طِينَتي نُبلُ 

وعادتْ طهُورَ الثوبِ من غير ريبةٍ * تسيرُ الهوينى والعفافُ لها ذيلُ 

أُحَدِّثُ أُختها فأُشيحُ عنها * على عمْدٍ وأَلمَحُها فتُغْضي 

فيمسكها حياها عن شكاة * بطول الهجر والشوق الممض 

وتحسبني الخلي وليس تدري * بان حاز الهوى طولي وعرضي 

ويطلبني الهوى في البعد نفسي * كديان يرد قديم قرض 

واني ليس الا كي اراها * اجاهد ان اصلي كل فرض 

فليتَ لقاءَنا الممزوجَ خوفاً * من الرُّقباء نُبْدَلُهُ بمَحْضِ

أُعانِقُها به فأذوبُ فيها * ويصبِحَ بعضُها إذْ ذاكَ بعضي

ولي أنْ أهجرَ الدنيا جميعاً * وأُغضِبَ كلَّ من فيها لتَرْضي

وما طيبُ الحياةِ سوى وِصالٍ * نُمَتَّعُ بَعْدَهُ بِهَنِيء غُمْضِ

كلمة أخيرة يُصرِّح بها الشاعر صالح محمد طه صالح للعامَّة ولمجلة بايونير خاصة ؟!

إن الشعر جميل ولكنه ليس بالسهل وإني لا أكاد أحصي القصائد التي ضربت عليها لما تبين لي من ضعفها فمن وجد من نفسه نية قول الشعر فليقرأ وليحفظ كثيرا وليتدرب فالدربة صانعة الملكة والله ولي التوفيق .

وانت مارأيك ببيت القصيد وروعته ؟ شاركنا بأجمل مؤلفات القصيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى