غير مصنف

دارفور و جذور الأزمة

       قد يتساءل المرء و هو يشاهد التداعيات الأخيرة في دارفور كيف لهذا الجزء من الوطن أن يعاني بهذه الشدة حد اقتتال القبائل؟ و كيف لمكوناته ان تتصارع حول الموارد و دارفور التي نعرفها غنية بالموارد، و ربما تتملكه الحَيرة فيزيد في السؤال ما مشكلة أبناء دارفور مع ما يسمونهم “ابناء الشريط النيلي”؟ و قد يتفاجأ عندما يعلم أن جذور النزاع ليست خلافا إثنياً بين مكونات المجتمع في دارفور و ليست مشكلة بين المزارعين و الرعاة و لا صراعاً بين المقيمين و الرُّحّل بقدر ما هي جذور موغلة في القِدم فهذه العوامل المذكورة لا تلعب أكثر من دور الهواء في اشتداد اللهيب و لإخماد هذا اللهيب فإننا بحاجة للتوغل كثيرا لمعرفة عود الثقاب الذي أشعل النار.

       بدأ كل شيء في عصر المهدية و تحديدا عندما آثر الامام محمد احمد المهدي و هو من إقليم شمال السودان أن يجعل عبدالله التعايشي المنحدر من إقليم دارفور في غرب السودان خليفة له، الأمر الذي لم يعجب كثير من معاوني الإمام المهدي ممن ينتمون له إثنياً و يرون أنهم أحق بالخلافة، مما أحدث شرخاً بين اثنين من مكونات المجتمع آنذاك.

       تمت عملية السودنة عقب الاستقلال و أحس النخبة من أبناء دارفور بلسعات الظلم عندما لم يجدوا أنفسهم في أيًّ من تلك المناصب التي تمت سودنتها و البالغة عددها أكثر من ثمانمائة منصب، و منذ ذلك الحين توالت الحكومات و سلكت نهجاً محدداً في الظلم الاجتماعي مُفضلةً أقاليم على أخرى و كان لإقليمي الجنوب و دارفور نصيب الأسد من ذلك الظلم سواء كان في مجال التعليم او الخدمات الصحية او كل ما يمثل دور الدولة، فعلى سبيل المثال كان عدد المراكز الصحية في دارفور في العامين ١٩٨٥ – ١٩٨٦ م ١٦ مركزا من أصل ٢٨٨ مركزا كان نصيب الأسد منها لإقليمي الخرطوم و الأوسط.

       شهدت دارفور – و هي الغنية بالأراضي الزراعية و الثروة الحيوانية – مجاعتين خلال عقدين متتاليين كانت أولها مجاعة ١٩٧٤ م و التي عاشت فيها ظروفا غاية في العسر حتى أرسلت الحكومة وفدا برئاسة وزير الحكومات المحلية صمويل لوباي لتقصّي و استجلاء الواقع، و لم يكن الوزير لَيقسو على حكومته و لكن لِما رآه من حجم الكارثة و إهمال الدولة قال بالحرف الواحد (تمردوا) فكان أصدق ما يدل على بؤس الواقع المُعاش.

       غياب دور الدولة المتعمد و الذي أفقر الإقليم لعقود جعل مكوناته تقاتل بعضها في صراع حول الموارد فكانت دارفور بين الفينة و الأخرى تشهد نزاعات خفيفة قابلة للحسم اذا ما تدخلت الحكومة.

       جاءت الإنقاذ بانقلابها المشؤوم و مارست الظُلم و التهميش كما لم تمارسه حكومة من قبل، ففي مجال التعليم كانت نسبة المستوعَبين من التلاميذ الذين بلغوا سن التعليم الأساسي من الإقليم الشمالي 87% و هذا أعلى نسبة على مستوى جميع الأقاليم و يقارب ثلاثة أضعاف النسبة في إقليم دارفور 30%.

       ظلم الحكومة  هذه المرة اخذ طابعا عنيفاً خصوصا بعد المفاصلة و التي جعلت الحكومة تصب جام غضبها على الإقليم و أهله فكان ذلك أمُّ المظالم و مفرِّخها و الذي أدى لاندلاع الثورة في دارفور، حين قرر ابناء الإقليم مواجهة الحكومة عسكريا و انهاء سلسلة المآسي التي ارهقت كاهلهم.

       تعاملت الإنقاذ مع الثورة تعاملا قاسياً لم يشهد له العالم مثيلا حيث ترجمت كل الإحن الدفينة في شكل جرائم مع سبق الاصرار و الترصد، و أسوأ ما في الامر انها استغلت الجيش اثناء ارتكابها لتلك الجرائم، و لعل اخفها و اقلها كان قول البشير عندما أعلن على الملأ في مدينة الفاشر عام ٢٠٠٤ م قائلا للجيش : ” لا أريد أسيرا و لا جريحا “.

وجد أبناء دارفور انفسهم لوحدهم بعد الصمت المريب الذي أبداه الشعب تجاه تلك الجرائم الامر الذي شجع الإنقاذ على مواصلة الانتهاكات، و رغم كل ذلك صعُب الامر على النظام عندما اكتشف ان جوهر أبناء دارفور يتنافر مع حالة الاستسلام و رآهم عازمين على المواصلة رغم كل شيء فانتهج اسلوباً جديدا في التعامل مع الثورة.

       و لأن دارفور متعددة الأعراق و تسكنها الكثير من القبائل العربية و الزنجية، كانت تعيش في تداخل و انسجام حتى قرر نظام الإنقاذ استغلال هذا التنوع في مواجهة الثورة، و لما كان قيام الثورة في دارفور من داخل القبائل الزنجية و انطلاقها ضد النظام و سياساته التي لا تنحصر في الإقصاء و التهميش فحسب بل تمتد لسرقة موارد الإقليم و توزيع فوائدها على أقاليم أخرى، و لإخماد هذه الثورة دون الوصول لغاياتها عمِدت الإنقاذ على إشعال فتيل العنصرية و تأجيجها وسط القبائل و قامت بتجييش القبائل العربية و سلحتها بالعتاد العسكري و شحنتها بالأفكار العنصرية و العرقية فنجحت في تحويل الصراع من صراع بين المظلومين و الحكومة إلى صراع بين المظلومين أنفسهم منقسمين إلى زنوج و عرب، و بذلك تحولت بعض القبائل إلى مليشيات مسلحة تسندها الحكومة عُرفت لاحقاً باسم (الجنجويد) فارتكبت ما ارتكبت من إبادات و مجازر في حق الأبرياء العزّل، حتى أصبح الخلاف مع هذه المليشيات حكما بالإعدام على القبيلة او المجموعة المعادية.

       هذا النهج البغيض في التعامل مع الثورة أدى لانقسام و تفكك النسيج الاجتماعي في دارفور و جعل تسلُّح باقي القبائل أمر حتمي، فنجح نظام الإنقاذ في تعريف مشكلة دارفور بأنها نزاعات قبلية، ثم أشغل أبناء دارفور بمشاكل داخلية و سحَقهُم بآلة الحرب حتى نسيَ او تناسى انسان دارفور جذور الازمة.

       كان صعبا بل أقرب للمستحيل على الجيل السابق أن يتمكن من اجتياز الازمة لظروف عديدة فكان الأمل أن يأتي جيل جديد يتعامل معها بشكل مختلف، و قد كان، فقد جاء الجيل الذي كسر الصمت و تجاوز أخطاء السابقين.

       و يبقى الأمل كبيرا في هذا الجيل، أبطال ثورة ديسمبر المجيدة و الذين صدحوا في وجخ الطاغية: (يا عنصري و مغرور، كل البلد دارفور) و الذين قالوا “هذه البلاد تخُصنا، بحروبها و جياعها و بصمتها المكسور في لين الفراغِ تخُصنا”.

هذا الجيل قادر على تجاوز الصراع القبلي و الحفاظ على وحدة الوطن فكل الدلائل تشير إلى أنهم لم يُلوَّثوا بدنس العنصرية البغيضة و لم يرتكبوا أخطاء الجيل السابق المتمثلة في الصمت المريب تجاه الفجائع.

       هذا الجيل الحالم ببناء سودان جديد يسع الجميع، تخرُس فيه الطبنجة و تصدح فيه الكمنجة، سيبحث و يعرف بنفسه حقيقة الأزمة و سيرى جذورها بعين واضحة دون أن تشوبها شائبة ثم يقتلعها بلا أدنى تردد فجذور الازمة لا تُخاطب بل تُقتلع اقتلاعاً.

أمير عبدالله اروين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى