دراسةمنوعات

دراسة:العضيَّات الدماغية المستزرَعة مخبريًّا..أدمغة واعية!

تحقيق إخباري

هل يمكن أن تصبح العضيَّات الدماغية المستزرَعة مخبريًّا أدمغة واعية؟

يعكف العلماء على إجراء عددٍ من التجارب التي تثير تساؤلاتٍ حول إمكانية توليد الوعي والشعور مخبريًّا في مجموعات الخلايا والأدمغة المعزولة من أجسام الكائنات الحية، وكيفية اكتشاف هذا الوعي حال وجوده.

في مختبر أليسون موتري، عالِم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في مدينة سان دييجو، تطفو في أطباقٍ مخبرية، تُدعى “أطباق بترِي” Petri dishes، مئاتٌ من الأدمغة البشرية الضئيلة، في حجم حبَّات السمسم، ومُفعمة بالنشاط الكهربي.

هذه التكوينات الضئيلة، التي تُعرف بالعُضَيَّات الدماغية المُستَزرَعة (brain organoids)، التي يُعتمد في زراعتها على الخلايا الجذعية البشرية، أصبحت عنصرًا ثابتًا ومألوفًا في كثيرٍ من المختبرات التي تُعنى بدراسة خواص الدماغ.

وقد اكتشف موتري سُبُلًا غير تقليدية لتوظيف تلك العُضيَّات في مختبره؛ إذ قام بتثبيتها -على سبيل المثال- في روبوتاتٍ جوَّالة.

كما عدَّل جينوماتها، مستخدمًا جيناتٍ تخص إنسان النياندرتال، وبعث بها إلى الفضاء، لتستقر على متن محطة الفضاء الدولية، واتخذ منها نماذج لتطوير أنظمة ذكاءٍ اصطناعي أقرب شبهًا إلى البشر.

وعلى غرار كثيرٍ من العلماء.. اتجه موتري مؤقتًا إلى دراسة مرض “كوفيد-19“، إذ يستعين بالعضيات الدماغية المُستَزرَعة في اختبار أداء العقاقير في مواجهة فيروس كورونا المُسبِّب للمرض، المعروف بفيروس “سارس-كوف-2“.

غير أنَّ إحدى تجاربه استرعَتْ اهتمامًا أكبر من غيرها، ففي شهر أغسطس من عام 2019م، نشر فريقه ورقةً بحثية في دورية سيل ستيم سيل” Cell Stem Cell ” التي تركز على أبحاث الخلايا الجذعية، والتي تفيد بأنه قد تمكَّن من تخليق عضياتٍ دماغية بشرية مُستَزرَعة، ولَّدت موجات منظَّمة من النشاط الكهربي، تشبه الموجات المرصودة لدى الأطفال المُبتَسَرين.

وقد استمر نشاط هذه الموجات لأشهر، حتى انتهى الفريق من إجراء التجربة.

ويُعَد هذا النوع من النشاط الكهربي المُنظَّم، الذي يسري في جميع أجزاء الدماغ، إحدى الخصائص المميِّزة للأدمغة الواعية.

وقد دفعت نتائج الفريق كلًّا من العلماء والمتخصصين في الأخلاقيات إلى طرح طائفةٍ من التساؤلات الأخلاقية والفلسفية.

تدُور في جُملتها حول ما إذا كان ينبغي السماح للعضيات المُستَزرَعة ببلوغ هذا المستوى من النمو المتطور.

وما إذا كانت تلك العضيات “الواعية” تتطلَّب معاملةً خاصة، وحقوقًا استثنائية لا تنبغي لمجموعات الخلايا الأخرى، فضلًا عن أسئلة أخرى تتعلق بإمكانية تخليق الوعي من العدم.

والحقُّ أن فكرة تخليق الأدمغة الواعية بذاتها بمعزلٍ عن الجسم الحيّ طالما راودَتْ كثيرًا من علماء الأعصاب والمتخصصين في أخلاقيات البيولوجيا.

فقبل بضعة أشهر من إقدام هذا الفريق على نشر دراسته، أعلن فريقٌ بحثي في جامعة ييل، الواقعة بمدينة نيو هافن في ولاية كونيتيكت الأمريكية، أنَّه قد نجح -أو أصاب بعض النجاح على الأقل- في إعادة الحياة إلى أدمغة خنازير قُتِلَت قبل بضع ساعات.

فمِن خلال استئصال أدمغة الخنازير من جماجمها، ونقعها في مزيجٍ كيميائي، تمكَّن الباحثون من تنشيط الوظائف الخلوية للخلايا العصبية، واستعادة قدرتها على نقل الإشارات الكهربية.

وهناك تجارب أخرى، ومنها المساعي الهادفة إلى إضافة خلايا عصبية بشرية إلى أدمغة الفئران، تثير كذلك عددًا من الأسئلة، إذ يذهب بعضٌ من العلماء والمتخصصين في أخلاقيات البحث العلمي إلى ضرورة حظر مثل هذه التجارب.

كما أثارت هذه الدراسات جدلًا بين فريقين، يرغب أحدهما في حظر تخليق الوعي، بينما يرى الآخر في هذه العضيات المُستَزرَعة المعقدة فرصةً سانحةً لدراسة الأمراض البشرية الفتاكة.

فعلى سبيل المثال.. يذهب موتري، وغيره كثيرون من علماء الأعصاب، إلى أنَّ العضيات الدماغية البشرية المُستَزرَعة ربما تكون هي السبيل إلى فهم الحالات المرضية التي يتفرد بها البشر، مثل التوحُّد، والفصام، التي تتعذَّر دراستها بالتفصيل من خلال نماذج الفئران.

ولتحقيق هذا الهدف، يقول موتري إنَّه وغيره من الباحثين قد يحتاجون إلى تخليق الوعي عمدًا.

ومن هذا المنطلق، يدعو الباحثون الآن إلى وضع مجموعةٍ من التوجيهات، تشبه تلك المعمول بها في أبحاث الحيوانات، لتكون دليلًا للاستخدامات البشرية للعضيات الدماغية، وتسترشد بها التجارب الأخرى التي قد تتمكن من تخليق الوعي.

المخاوف

في شهر يونيو، بدأت الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب في إجراء دراسةٍ تهدف إلى الوقوف على القضايا الأخلاقية والقانونية الأساسية المحتملة، التي ترتبط ببحوث العضيات الدماغية المُستزرَعة، وكذلك الكائنات الحية المحتوية على مزيجٍ من خلايا البشر والحيوانات.

وقد سلَّطت المخاوف حيال الأدمغة المستزرَعة مخبريًّا الضوءَ على نقطة أخرى يكتنفها الغموض، وهي أنَّ علماء الأعصاب لا يتفقون على طريقة لتعريف الوعي وقياسه.

وفي غياب تعريفٍ مبدئي مناسب، يخشى المتخصصون في الأخلاقيات البحثية من أن يصبح من المستحيل كبح التجارب قبل تجاوُز الحدود.

إنّ التجارب الحالية قد تجعل حسم هذه القضية أمرًا لا مفرَّ منه، فإذا تحقَّق العلماء من تولُّد الوعي في العضيات المُستَزرَعة، في إحدى التجارب، فقد يكون عليهم أن يُسارعوا إلى الاتفاق على نظريةٍ لتفسير كيفية حدوث ذلك، حسبما قال أنيل سيث، المتخصص في علم الأعصاب الإدراكي بجامعة ساسكس، الواقعة بالقرب من مدينة برايتون في المملكة المتحدة.

وقد أضاف أنَّه إذا اختلفت النظريات المطروحة حول ما إذا كان الوعي قد تولَّد في تلك العضيات، فمن شأن ذلك أن يُقوِّض الثقة في تحقُّق الأمر. وتابَع بقوله: “تعتمد الثقة -إلى حد بعيد- على النظرية التي نأخذ بها. إنَّها حلقةٌ مُفرَغَة”.

حالات واعية

ربما يكون تخليق الأنظمة الواعية أسهل كثيرًا من تعريفها. فالباحثون والأطباء الإكلينيكيون يُعرِّفون الوعي بتعريفاتٍ عدة، ومتمايزة فيما بينها لأسبابٍ شتى، لكن من الصعب جمع تلك التعريفات في تعريفٍ عملي واحد ودقيق، بحيث يمكن اعتماده في توصيف حالة الأدمغة المُستَزرَعة مخبريًّا.

ومن المعلوم أن الأطباء عمومًا يقيِّمون مستوى الوعي لدى المرضى المصابين بحالات غياب الوعي والاستجابة استنادًا إلى اختبار طرف العين، واختبارات الاستجابة للألم أو غيره من المثيرات.

وباستخدام قراءات مُخطَّط النشاط الكهربي الدماغي (EEG)، على سبيل المثال، يستطيع الباحثون أيضًا قياس كيفية استجابة الدماغ عند تعريضه إلى نبضةٍ كهربية، حيث إنّ النشاط الكهربي الذي يُرصَد في الدماغ الواعي سيكون غير متوقع، ويتجاوز في تعقيده النشاط المرصود في الدماغ غير الواعي، الذي تتمثل استجابته في توليد أنماطٍ بسيطة منتظمة.

قد لا تكون تلك الاختبارات كافيةً للكشف عن وجود الوعي، أو غيابه.

ففي الدراسات القائمة على التصوير الدماغي، التي تُجرَى على المصابين بحالات الغيبوبة، أو غياب الوعي والاستجابة، أثبت العلماء أنَّه في المرضى الذين لا تصدُر عنهم أية استجابة قد يكون مقدار النشاط الدماغي مماثلًا لذلك المرصود في حالة الأشخاص الواعين، كأنْ يُرصَد في أدمغتهم نشاط في المناطق الحركية بالدماغ عندما يُطلَب منهم التفكير في المشي.

وعلى أي حال، فمِن الصعب تطبيق الاختبارات الطبية المعتادة لقياس الوعي على الخلايا الدماغية المُستَزرَعة في الأطباق المخبرية، أو على أدمغة الحيوانات المنعزلة عن أجسادها.

وعندما أشار موتري إلى أنَّ أنماط نشاط عضيَّاته كانت تماثل في تعقيدها ذلك النشاط المرصود لدى الأطفال المُبتسَرين، وقع العلماء في حيرةٍ من أمرهم.

فبعض الباحثين يرون أن النشاط الدماغي لدى المُبتسرين ليس معقدًا إلى الحد الذي يسمح باعتباره ضربًا من الوعي.

كما أنَّ تلك العضيات ليس في وسعها أن تطرف بعينيها، أو أن تنتفض عند التعرض للألم، ما يعني أنها لن تجتاز الاختبار الإكلينيكي لإثبات وجود الوعي.

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن ثمة احتمالًا أكبر لاحتواء الأدمغة السليمة المُستأصَلة من خنازير مقتولة حديثًا على البِنَى اللازمة للتمتُّع بالوعي، فضلًا عن الوصلات العصبية التي كَوَّنَتها ذكريات الخنازير، والتجاربِ التي مرت بها على مدار حياتها.

وفي هذا الصدد، قالت جانتين لونسهوف، الفيلسوفة والباحثة المتخصصة في أخلاقيات علم الأعصاب بجامعة هارفارد، الواقعة في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية:

“عند التفكير في الدماغ الذي يحوي هذا كله، من الصعب تخيُّل أنَّه سيصبح فارغًا، لستُ أعرف مدى قدرة هذه الأدمغة على التفكير، ولكنَّ الشيء المحقَّق أن هذه القدرة غير منعدمة”.

ولعلَّ من الممكن أن تستعيد الأدمغة الميتة درجة من درجات الوعي، عن طريق إعادتها إلى شكلٍ من أشكال الحياة، مثلما فعل فريق جامعة ييل، رغم أنَّ العلماء بذلوا قصارى جهدهم لتجنب هذا، عبر استخدام عوامل تثبيطٍ كيميائية تَحُول دون حدوث نشاطٍ على مستوى الدماغ بأكمله.

ويتفق الباحثون على أنَّهم بحاجة إلى أخذ الاحتمالات المطروحة في تلك الدراسات بجدِّية.

ففي شهر أكتوبر من عام 2019، عقدت جامعة كاليفورنيا -الواقعة في مدينة سان دييجو- مؤتمرًا حضرَتْه نخبة من الفلاسفة والمتخصصين في علم الأعصاب، بالإضافة إلى عدد من الطلاب والمهتمين من عامة الناس، وذلك بهدف وضع مجموعةٍ من المبادئ الأخلاقية الحاكمة للتجارب المستقبلية، ونشر هذه المبادئ.

لكنْ تأخَّر نشر ورقة المؤتمر لعدة شهور تأخُّرًا يُعزى في جانبٍ منه إلى عجز عددٍ من مؤلفيها عن الاتفاق على الشروط الأساسية لوجود الوعي.

تعقُّد مطَّرد

ثمة ما يُشبه الإجماع بين العلماء والمتخصصين في أخلاقيات البحث العلمي على أن أحدًا لم يتمكَّن حتى الآن من تخليق الوعي في المختبر، لكنَّهم يتساءلون -في الوقت ذاته- عمَّا يتعيَّن الانتباه إليه عند وضع ذلك الأمر موضع الدراسة، وانتقاء النظرية الأصلح لدراسة هذه الحالة من بين نظريات الوعي المختلفة.

وحسب الفكرة التي يُشار إليها بـ”نظرية المعلومات المتكاملة“، على سبيل المثال، يُعرَّف الوعي على أنه نتاجٌ لمدى كثافة الوصلات بين الشبكات العصبية عبر الدماغ، فكلما زاد عدد الخلايا العصبية التي تتفاعل مع بعضها، ارتفعت درجة الوعي (التي تُقاس بالقيمة “فاي” phi)، فإذا كانت تلك القيمة أكبر من صفر، عُدَّ الكائن الحي واعيًا.

ووفقًا لهذه النظرية، تصل غالبية الحيوانات إلى هذا المستوى، غير أنَّ كريستوف كوخ -رئيس معهد ألين لعلوم الدماغ، الواقع في مدينة سياتل بولاية واشنطن- يشك في بلوغ أيٍّ من العضيات المُستزرعة الحالية هذا الحد، مع إقراره بأنَّ العضيات الأكثر تطورًا قد تنجح في بلوغه.

وهناك نظرياتٌ أخرى في تفسير ظاهرة الوعي، تشترط وجود مدخلاتٍ حسية، أو أنماطٍ منتظمة من النشاط الكهربي في عدة مناطق من الدماغ.

ومن هذه النظريات، مثلًا، فكرةٌ تُدعَى “نظرية مساحة العمل الشاملة“، التي تفترض أنَّ القشرة أمام الجبهية في الدماغ تعمل كالحاسوب، فتُعالِج المدخَلات الحسية وتفسِّرها لتوليد الوعي بالذات.

وبالنظر إلى أنَّ العضيات المُستَزرَعة لا تملك قشرةً أمام جبهية، ومن ثم لا تستطيع استقبال المدخلات، فليس في إمكانها -وفقًا لهذه النظرية- أن تكون واعية.

وعن ذلك تقول مادلين لانكستر، عالمة البيولوجيا النمائية بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة:

“ربما تتواصل الخلايا العصبية مع بعضها البعض، ولكنْ بدون المدخلات والمخرجات، وذلك لا يعني بالضرورة أننا بإزاء شيء يشبه التفكير البشري”.

أمَّا توصيل العضيات المُستَزرَعة بالأعضاء، فقد لا يكون بالمهمة العسيرة.

ففي عام2019م ، زرع فريق لانكستر عضياتٍ دماغية بشرية بجوار العمود الفقري وعضلة الظهر لدى أحد الفئران.

وعندما اتصلت أعصاب العضية البشرية بالعمود الفقري، بدأت العضلات تتقلص تلقائيًّا.

تجدُر الإشارة إلى أن غالبية العضيات المُستَزرَعة تُصمَّم على نحوٍ يتيح إعادة إنتاج جزءٍ واحد فقط من الدماغ، هو قشرة المخ، ولكنْ إذا ما تطورت الخلايا الجذعية البشرية لفترةٍ كافية، مع الاستعانة بالأنواع المناسبة من عوامل النمو، فإنَّها تعيد تلقائيًّا تخليق مناطق كثيرة مختلفة من الدماغ، ثم تبدأ تلك المناطق في تنسيق نشاطها الكهربي فيما بينها.

ففي دراسةٍ نُشِرَت عام 2017م ، عملت باولا أرلوتا -باحثة البيولوجيا الجزيئية بجامعة هارفارد- على تحفيز خلايا جذعية، كي تتطور إلى عضياتٍ دماغية، تتألف من أنواعٍ مختلفة من الخلايا، من بينها خلايا حساسة للضوء، كتلك التي نجدها في شبكية العين.

وعند تعريض تلك العضيات للضوء، أخذت خلاياها العصبية في توليد نشاط كهربي، لكنَّ نشاط تلك الخلايا لا يعني -في حدِّ ذاته- أنَّ العضيات تمكَّنت من الإبصار ومعالجة المعلومات البصرية، حسبما أوضحت أرلوتا، وإنما يدلُّ ببساطة على أنَّها قد تمكَّنت من تكوين الدوائر العصبية اللازمة.

والحق أنَّ أرلوتا، ولانكستر يعتقدان أنَّ عضياتهما بدائيةٌ إلى درجةٍ لا تسمح لها باكتساب الوعي، نظرًا إلى افتقارها إلى التكوينات التشريحية اللازمة لإنتاج أنماٍط معقدة من مخططات النشاط الكهربي الدماغي.

ومع ذلك، تقِرّ لانكستر بأنه عند الحديث عن العضيات المُستَزرَعة المتطورة، فإنَّ الأمر يعتمد على تعريف الوعي، موضحةً: “إذا كنتَ تعتقدُ أنَّ الذباب واعٍ، فمِن الممكن أن تكون العضيات المُستَزرَعة واعيةً كذلك”.

ورغم ذلك، ترى لانكستر ومعظم الباحثين الآخرين أنَّ احتمال توليد الوعي في أدمغة الخنازير المُعاد تنشيطها أكبر بكثير منه في حالة العضيات المُستَزرَعة.

وجديرٌ بالذكر أنَّ الفريق الذي أجرى تجربة أدمغة الخنازير، بقيادة عالِم الأعصاب نيناد سيستان، لم يكن يسعى إلى تخليق الوعي، وإنَّما إلى اكتشاف طرقٍ جديدة لإعادة الحياة إلى أعضاء الجسد.

وقد تمكن باحثو الفريق بالفعل من توليد نشاطٍ كهربي في خلايا عصبية مفردة، أو مجموعاتٍ من الخلايا، مع الحرص على محاولة تجنُّب توليد موجاتٍ واسعة النطاق من النشاط الدماغي.

ومع ذلك، فعندما رصد فريق سيستان ما بدا أنه نشاط كهربي دماغي منتظم في أحد الأدمغة، تم تعليق المشروع على الفور.

وحتى بعدما أكّد أخصائي في علم الأعصاب أنَّ النمط المرصود لا يتفق مع ظاهرة الوعي، خَدَّر الفريق الأدمغة كإجراءٍ وقائي.

ولم يكتفِ سيستان بذلك، إذ تَواصَل مع هيئة معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH) لأخْذ المشورة في كيفية مواصلة التجربة.

وعليه، أسندَتْ الهيئة تقييم عمله إلى لجنة أخلاقيات علم الأعصاب التابعة لها، التي تضم لونسهوف وإنسو هيون، العالِم المتخصص في أخلاقيات أبحاث البيولوجيا بجامعة كايس ويسترن، الواقعة في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو، واتفقت اللجنة على أنَّ سيستان ينبغي أن يستمر في تخدير الأدمغة.

لكنَّها لم تستقر على إرساء قواعد توجيهية أكثر شمولًا، كما أنَّها لا تشترط عادةً تقييم مقترحات تجارب العضيات المُستَزرَعة من منظور مجال أخلاقيات أبحاث البيولوجيا، لاعتقاد أعضائها أنَّ نشوء الوعي أمرٌ مستبعَد.

زِد على ذلك، أنَّ الهيئة لم تتوصل بعدُ إلى تعريفٍ للوعي. ويُعلِّق هيون على هذا بقوله: “الأمر يتسم بدرجة عالية من السيولة، فلكلٍّ تعريفه الخاص.

وإذا لم يكن واضحًا أنَّنا نتحدث عن الشيء ذاته، فإنَّ هذا يضعنا أمام مشكلة كبيرة، تعوق التقدم في النقاش الدائر”.

تعريفات غامضة

يرى البعض أنَّه لا جدوى أساسًا من محاولة تعريف الوعي في أيٍّ من أشكال الأدمغة المحفوظة في المختبرات.

وفي هذا الصدد، يقول ستيفن لوريز، عالِم الأعصاب بجامعة لييج في بلجيكا، وأحد أوائل مَن وضعوا بعض المقاييس القائمة على التصوير الدماغي لتقدير درجة الوعي في حالات غياب الوعي والاستجابة:

“من المستحيل أن نقول شيئًا ذا بال حول ما قد يُمكن أن تفكر فيه تلك المجموعات من الخلايا الدماغية أو تدركه، نظرًا إلى أننا لا نفهم الوعي، فحبَّذا لو نتحلَّى بشيء من التواضع”.

وأشار إلى ضرورة توخِّي الحرص الشديد لدى إجراء الأبحاث القادمة.

ويرى لوريز وآخرون أنَّ الأمر في حالة العضيات المُستَزرَعة يختلف -على الأرجح- اختلافًا كبيرًا عنه في حالة الأطفال المُبتَسَرين، وكذلك عن البشر البالغين والخنازير، ومن ثم فلا وجهَ مباشرًا للشبه بين هذه الحالات.

وإضافة إلى ذلك، فإنَّ التكوينات الموجودة في العضيات المُستَزرَعة قد تكون من صغر الحجم بحيث لا يكون في الإمكان قياس نشاطها بدقة، ولا يبعُد أن تكون التشابهات بين أنماط مخططات النشاط الكهربي الدماغي الخاصة بها، وتلك الخاصة بالأطفال المُبتَسَرين وليدة الصدفة.

ويتفق علماء آخرون، من المعنيين بدراسة تلك العضيات، مع رأي لوريز القائل إنّ السؤال عمَّا إذا كان أي نظامٍ ما واعيًا، أم لا، قد يكون سؤالًا عصيًّا على الإجابة، بل إنَّ الكثيرين يتجنبون التعرُّض لهذا السؤال من الأصل.

فعلى سبيل المثال، يقول سيرجيو باسكا، عالِم الأعصاب بجامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأمريكية:

“لستُ أدري لِمَ علينا أن نسعى إلى طرح سؤال كهذا؛ فهذا النظام ليس دماغًا بشريًّا، صحيحٌ أن هذه العضيات مكوَّنة من خلايا عصبية يَسرِي فيها نشاطٌ كهربي، لكنْ علينا أن نفكر بعناية في كيفية المقارنة بينهما.”

أمَّا موتري، فيريد لعُضيَّاته أن تشبه الأدمغة البشرية حقًّا، على الأقل في بعض النواحي، كي يتمكن من دراسة الأمراض البشرية، ويتوصَّل إلى علاجاتٍ لها.

ودافعه في ذلك شخصي؛ فابنه البالغ من العمر 14 عامًا مصابٌ بالصرع والتوحُّد، و”يعاني بشدة في حياته”، حسب وصفه.

كما أنَّ استخدام العضيات الدماغية المُستَزرَعة يُعَد نهجًا واعدًا، لأنَّها تحاكي المراحل المبكرة للوصلات العصبية الدماغية، التي تتعذر دراستها أثناء نمو الجنين البشري.

غير أنَّه يرى أن دراسة أمراض الدماغ البشري، دون أن يكون بين أيدينا دماغ يعمل بكامل وظائفه، أشبه بدراسة بنكرياسٍ لا يُنتِج الإنسولين، مضيفًا : “لكي أتمكن من بلوغ هذا الهدف، أحتاج إلى نموذجٍ للعضيات الدماغية يشبه حقًّا الدماغ البشري وقد أحتاج إلى عضيةٍ قادرة على اكتساب الوعي”.

وفيما يتعلق بالسؤال حول التعريف الذي ينبغي اعتماده لحسم ما إذا كانت العضيات قد اكتسبت الوعي، أم لا، يرى موتري أنَّه لا توجد له إجابةٌ قاطعة.

وأضاف أنه في مرحلةٍ ما، ربما تتمكن العضيات من مساعدة الباحثين على الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بآلية توليد الوعي في الدماغ.

فعلى سبيل المثال، يعمل جابرييل سيلفا -عالِم الرياضيات بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو- على دراسة النشاط العصبي في عضيات موتري، لوضع خوارزميةٍ لتوصيف كيفية نشوء الوعي في الدماغ.

ويكمُن الهدف من وراء مشروعه، الذي تشارِك في تمويله شركة “ميكروسوفت”، في تطوير نظامٍ اصطناعي يعمل بصورةٍ شبيهة بالوعي البشري.

الإرشادات و القواعد

وفي الوقت الحالي، لا توجد قواعد تنظيمية في الولايات المتحدة أو أوروبا تمنع الباحثين من تخليق الوعي.

وتعتزم لجنة الأكاديميات الوطنية إصدار تقريرٍ في أوائل العام القادم، يستعرض أحدث الأبحاث، ويقرر ما إذا كنا بحاجةٍ إلى قواعد تنظيمية.

كما يعتزم أعضاء اللجنة تناوُل الأسئلة المتصلة بعددٍ من القضايا، مثل مدى ضرورة الحصول على موافقة الشخص، قبل الإقدام على زراعة عضياتٍ دماغية من خلاياه، وكيفية دراسة العضيات، والتخلص منها بطريقةٍ إنسانية.

كما تعمل الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية على وضع إرشاداتٍ خاصة ببحوث العضيات المُستَزرَعة، لكنَّها لن تتناول مسألة الوعي، لاعتقادها أنَّ العِلْم لم يبلغ بعدُ هذه المرحلة.

ويقول هيون إنَّ لجنة أخلاقيات عِلْم الأعصاب، التابعة لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، لم تطَّلِع حتى الآن على أي مقترحاتٍ تتعلق بتخليق عضياتٍ مُستَزرَعة معقدة واعية، ومن ثمَّ تتطلب وضْع قواعد إرشادية جديدة.

كما صرَّح موتري بأنَّه لم يسمع بوجود باحثين آخرين يقصدون إلى تخليق عضياتٍ مُستَزرَعة واعية، رغم أنَّ العضيات المُستَزرَعة المعقدة بدرجةٍ كافية قد تصل إلى حالة الوعي عَرَضًا، حسب بعض التعريفات.

ومع ذلك، عبَّر موتري وباحثون آخرون عن ترحيبهم بوضع بعض القواعد الإرشادية.

وقد تتضمن تلك القواعد اشتراط تقديم العالم تفسيرًا لاختياره عدد العضيات الدماغية البشرية المُستَزرَعة التي يستخدمها، وقصر استخدامها على الأبحاث التي لا يمكن إجراؤها بأي طريقةٍ أخرى، ومراعاة الحدِّ من الألم الذي قد يعرضها له، فضلًا عن التخلص منها بطريقةٍ إنسانية.

إنّ إلمام الباحثين بتلك التوجيهات مقدمًا من شأنه أن يُعِينهم على تقدير تكاليف تخليق الأنظمة الواعية، والفوائد التي يمكن أن تُجنَى من وراء ذلك.

ويؤكد كثيرٌ من الباحثين على أنَّ تلك التجارب يمكنها أن تمدّنا بمعلوماتٍ مهمة، ومن هؤلاء لانكستر، التي تقول:

“هناك بشرٌ واعون، يعانون أمراضًا عصبية عصيَّة على العلاج، وإذا تقرَّر وقْف كل هذه البحوث لا لشيءٍ إلا للتفكير في هذه الأسئلة الفلسفية الافتراضية، فإنَّ المتضررين هم الأشخاص الحقيقيون، الذين يحتاجون إلى علاجاتٍ جديدة”.

ومن المُمكن أيضًا اختبار العلاجات على العضيات الدماغية المخلَّقة باستخدام خلايا جذعية لفئران، أو على النماذج الحيوانية المعتادة.

كما قد تسترشد النقاشات الدائرة حول الاستخدام الأخلاقي للعضيات البشرية المُستَزرَعة بتلك التجارب.

وعلى سبيل المثال، يرغب هيون في أن يعكف باحثون على المقارنة بين أنماط مخططات النشاط الكهربي الدماغي للعضيات الدماغية المُستَزرَعة لفئران.

وتلك الأنماط الخاصة بالفئران الحية؛ إذ من شأن هذا أن يوضح مدى دقة محاكاة العضيات البشرية المُستَزرَعة للدماغ البشري.

ويرى موتري، من جانبه، أنَّ استخدام العضيات البشرية المُستَزرَعة لا يختلف كثيرًا عن الاستعانة بفئران المختبرات، ويقول:

“إننا نستخدم نماذج حيوانية واعية في أبحاثنا، ولا نجد في ذلك مشكلة، نحن بحاجة إلى المضيّ قُدُمًا في هذه الأبحاث، وإذا تَبيَّن أنَّ هذه العضيَّات قادرة على اكتساب الوعي، فالحق أنني لا أرى في ذلك مشكلة كبيرة”.

المصادر :

Trujillo, C. A. et al. Cell Stem Cell 25, 558-569 (2019). | article

Vrselja, Z. et al. Nature 568, 336–343 (2019) | article

Monti, M. M. et al. N. Engl. J. Med. 362, 579–589 (2010). | article

Giandomenico, S. L. et al. Nature Neurosci. 22, 669–679 (2019). | article

Quadrato, G. et al. Nature 545, 48–53 (2017). | article

Silva, G. A., Muotri, A. R. & White, C.Preprint at biorXiv

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى