غير مصنف

دول منسية إلى دول رائدة: رواندا الى الحداثة!

سلسلة دول منسية إلى دول رائده

في هذه السلسله سنسلط الضوء على اسباب نجاح وتحول دول فقيرة الي دول ذات نمو اقتصادي تضاهي اقوى دول العالم اقتصاديا ، وكيف بدأت تغير سياستها تجاه شعبها من مبدأ المساواه والعدل ونبذ القبلية والعرقية وتوحيدهم فكريا للمصلحة العامة ، بحيث جعلت منهم قوة بشرية جبارة للتنمية والنهضة.

عندما يتم الحديث عن دول أفريقيا بشكل عام يتبادر إلى الأذهان الفقر والجوع والحروب الأهلية، وهذه الصورة النمطية لم تأتي من فراغ بل فعلا أغلب تلك الدول تعاني من الفقر والأمراض والحروب مع كل الأسف، لكن عندما تُسجل دولة ما نجاح في مجال معين فيفترض بالباحثين والمهتمين بالعلوم السياسية تسليط الضوء حوله، فمن غير الإنصاف أن يتم التركيز على الإخفاقات والسلبيات وكأن السياسة عالم خالي من أي إنجاز يذكر، فهناك من الساسة من يعمل وينجز وكذلك يجعل من هذا العمل والإنجاز نموذج يمكن أن تستفيد منه دول أخرى مرت بنفس الأسباب والظروف.

رواندا من الإبادة إلى الحداثة

تعد رواندا والتي تعني أرض الألف تل باللغة المحلية للبلاد واحدة من أبرز الدول الإفريقية التي ذاقت مرارة الحروب الأهلية وتقع رواندا شرق وسط أفريقيا تسكنها منذ القدم قبيلتان كبيرتان هما هما الهوتو والتوتسي، عرف التوتسي بامتلاكهم الأراضي والأبقار وممارستهم للرعي فحين امتهن الهوتو الزراعة كانت القبيلتين تعيشان بشكل لم يكن يتصور معه أن هذه الأرض ستشهد أكبر حرب إبادة قبلية في القرن العشرين.

التفرقة والعنصرية والحرب الاهلية

بدأ الاستعمار في هذه الدولة مع أواخر القرن الثامن العاشر مع الألمان ليأتي بعده الاحتلال البلجيكي والذي ارتكزت سياسته على الفصل العنصري بين مكونات المجتمع الرواندي أي الهوتو والتوتسي حيث استخدم البلجيكيين التوتسي لقمع واستعباد الهوتو الذين عملوا كمزارعين لدى المحتل وهو ما أدى لتذمرهم على البلجيكيين والتوتسي أيضا جراء الأوضاع السيئة التي كانوا يعيشونها.

اشتعال الفتنة!

سنة 1994 تم اسقاط طائرة الرئيس الرواندي المنتمي لقبيلة الهوتو وهكذا اشتعل فتيل الحرب بين الهوتو والتوتسي لكن بشكل دموي للغاية أدى هذا التذمر إلى تغيير سياسة البلجيكيين عبر استغلال أغلبية الهوتو وعلى هذا الأساس بدأت في تحريضهم ضد التوتسي من خلال نشر مجموعة من الأفكار والأوصاف المسيئة للتوتسي ككونهم إقطاعيين ولا يحملون أصول رواندية ومع نهاية الخمسينات اندلعت الثورة وتم الإطاحة بالتوتسي كطبقة حاكمة وخربت ممتلكاتهم وأتلفت ماشيتهم وفروا إلى المنفى لدول مجاورة.

لم يتوقف التحريض والصراع بين مكونات المجتمع الرواندي فالتوتسي شكلوا الجبهة الوطنية الرواندية والتي غزت رواندا سنة 1991 لكن تم صد هجومها وتمخض عنه مقتل رئيسها فريد رويجياما تكرر هجوم الجبهة ووصلت قواتها قرب العاصمة كيغالي لكن الأمم المتحدة تدخلت وعملت للوصول إلى اتفاق سلام عرف باسم “اتفاقية اوشا” لكنه لم ينجح بسبب رفض الرئيس الرواندي والمحيطين به.

سنة 1994 تم اسقاط طائرة الرئيس الرواندي المنتمي لقبيلة الهوتو وهكذا اشتعل فتيل الحرب بين الهوتو والتوتسي لكن بشكل دموي للغاية هذه المرة حيث قتل كل توتسي وكل من يتعاطف معهم من الهوتو فانتشرت جثثهم في أنحاء البلاد واغتصبت نساءهم ووصل عدد وفيات هذه الإبادة إلى قرابة المليون وأثناء هذه الإبادة التي استمرت لمئة يوم عاودت الجبهة الوطنية الرواندية الهجوم إلى أن سقطت العاصمة.

النهضة ونقطة التحول

انتقلت السلطة لبول كاغامي سنة 2000 بعد استقالة الرئيس بيزي مونجو الذي لم يستطع إدارة البلاد التي غرقت في فوضى عارمة، ومع حصول كاغامي على السلطة انتقلت البلاد من عصر الدماء إلى مسار المصالحة والوحدة والتنمية، حمل كاغامي معه رهانين أساسيين الأول توحيد شعبه المنقسم والثاني انتزاع بلاده من الفقر.

أقر بول كاغامي دستورا يلغي الفوارق العرقية وشكل حكومة أخذت فيها النساء نصيبا وافرا وقام بمجهودات جبارة في الجانب التعليمي عبر تثقيف الشباب إضافة إلى الاهتمام بالجانب المعلوماتي والتكنولوجي ورقمنة البلاد، ناهيك عن تطوير الاقتصاد الرواندي فحسب منظمة دول تجمع السوق الأفريقية المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا) فإن دولة رواندا تعتبر الآن واحدة من الدول الأفريقية الرائدة في مجال النمو الاقتصادي حيث سجل اقتصادها النمو الأكبر على مستوى العالم منذ عام 2005 بمتوسط بلغ 7.5 في المائة.

وحسب تقرير لنفس المؤسسة سنة 2016 فقد صنفت رواندا أول دولة في إفريقيا جذبا لرجال الأعمال:

وحصلت عاصمة رواندا كيجالي على مجموعة من الألقاب من بينها الأكثر أمنا في إفريقيا والأنظف بين عواصم إفريقيا، وأيقونة التنمية الإفريقية الحديثة إضافة إلى احتضان المدينة لمجموعة من الملتقيات الاقتصادية وقمم الاتحاد الإفريقي، وهذه مؤشرات تدل على أنها مدينة متطورة، وتحقق السياحة وحدها 43 في المئة من الدخل الإجمالي للبلاد.

رؤية 2020 !

أطلق الرئيس الرواندي كاغامي مشروعا مهما اختار له اسم رؤية 2020 والذي يتضمن مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تحقيق إقلاع تنموي برواندا وتنبني الرؤية على ثلاث أهداف رئيسية متفرعة إلى أهداف على المدى القريب والمدى المتوسط ثم المدى البعيد.

ويرتكز الهدف الأول القريب المدى على تكوين الثروات وتقليل الاعتماد على المعونات والديون الدولية عبر سن مجموعة من الإجراءات الضريبية وتشجيع الاستثمار بالبلاد أما الهدف الثاني المتوسط المدى فيتمحور على التحول من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد قائم على المعرفة وذلك من خلال تطوير التعليم والتكنولوجيا والاتصالات، في حين يرتكز الهدف الثالث البعيد المدى على خلق طبقة وسطى منتجة وتعزيز روح المبادرة عبر تمكينها من خلق الثروة والمساهمة في تطوير اقتصاد البلاد.

فهم بول كاغامي ومن خلاله الروانديون أن مسار التفرقة والعنصرية لن يؤدي بهم سوى إلى مزيد من الدماء والحروب والتراجعات، فاختار مسار التنميه والوحدة والمعرفة.

نهضة الشعوب ليس امرا مستحيلا يحتاج فقط إلى إرادة شعب وقيادة راشدة حكيمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى