مجتمع

عقلية الحاجة

إن ما تعيشه الآن من وضع اقتصادي وإجتماعي ونفسي، ما هو إلا نتائج قراراتك في الماضي، وإن أردت أن تحسن من حياتك في المستقبل، فعليك أن تحسن من قراراتك.

إذاً، لماذا يتخذ الفقراء العديد من القرارات السيئة ؟

يرى البعض أن على الفقراء تحمل مسئولية أخطائهم، ويرى البعض أن علينا مساعدتهم على إتخاذ قرارات أفضل. 

الإفتراض الأساسي هو أن هناك شيء خاطيء فيهم، لو كان بمقدورنا فقط تغيرهم، لو كان بمقدورنا فقط تعليمهم كيف يجب أن يعيشوا حياتهم، لو أنهم يستمعون.

ويبقى السؤال الأهم بالطبع..

ما الذي يمكن فعله ؟

يحتفظ علماء الإقتصاد ببعض الحلول في جُعبتهم، مساعدة الفقراء عن طريق التعليم، وتقديم المعونات،كالغذاء والملبس والمأوى والرعاية الصحية وتمكينهم وتحقيق التنمية ….الخ .

برأيي هذه النوعية من الحلول تمثل الفترة الحالية حيث نلجأ معظم الأحيان لعلاج الاعراض في حين نتجاهل السبب الرئيسي.

وهذا ما فكرت به أيضا لمدة طويلة، ولكن بعد المدة كل ما كنت أعرفه عن الفقر كان خطأ.

إلى أن عثرت مصادفة على بحث لمجموعة من علماء نفس أمريكيين كانوا قد سافروا لمسافة 800 ميلا إلى الهند للقيام بدراسة رائعة، وقد كانت تجربة مع مزارعي قصب السكر. 

ويجب أن تعرف أن هؤلاء المزارعين يجمعون حوالي 60% من دخلهم السنوي في وقت واحد مباشرة بعد الحصاد ، وهذا يعني أنهم فقراء نسبياً في بعض فترات السنة وأغنياء في فترات أخرى.

الفقر والذكاء!

طلب منهم الباحثون أن يقوموا باختبار ذكاء قبل وبعد الحصاد وما إكتشفوه لاحقا اذهلني تماما، قد كانت نتائج المزارعين أسوأ بكثير قبل الحصاد.

وقد إتضح أن أثار المعيشة في الفقر يقابلها فقدان 14 نقطة في اختبار الذكاء ،لأعطيكم فكرة واضحة، هذا يعادل السهر لليلة كاملة ،أو أثار الإدمان علي الكحول.

الناس يتصرفون بشكل مختلف عندما يدركون أن شيئا ما ينقصهم، بصرف النظر عما هو هذا الشيء سواء كان لا يوجد ما يكفي من الوقت او المال او الطعام.

جميعكم تعرفون هذا الشعور عندما يكون لديك الكثير لتقوم به، أو عندما تؤجل إستراحة الغداء وينخفض عندها سكر الدم  هذا ما يحصر تركيزك علي حاجتك المباشر.

الشطيرة التي يجب تناولها الآن، الإجتماع الذي يبدأ خلال خمس دقائق ، أو الفواتير الواجب تسديدها في الغد،وبالنتيجة سيختفي المنظور طويل الأمد .

بإمكانك مقارنة هذا بجهاز حاسوب جديد يقوم بتشغيل 10 برامج ثقيلة في آن واحد سيبدأ بالتباطؤ، ثم يقوم بالأخطاء.

في نهاية المطاف سيتوقف ليس لأنه جهاز سيء لكن عليه إنجاز كثير من المهام في آنٍ واحد.

يعاني الفقراء من نفس المشكلة ، قراراتهم الغبية ليست نتيجة غبائهم ، ولاكنها نتيجة عيشهم ضمن سياق يقود اي شخص لاتخاذ قرارات غبية .

الفقر ليس نقصا في المعرفة إنه أشبه “بتعليم شخص السباحة ثم ترميه في بحر هائج ” .

إذا ما هو الحل؟

الأجابة سهلة ! ضمان الدخل الاساسي وهي منحة شهرية تكفي لتأمين حاجاتك الأساسية الطعام والمأوى والتعليم وهي غير مشروطة نهائيا.

لن يطلب أحد منك شيئا مقابلها ، ولن يوجهك أحد كيفية إستخدامها ، فالدخل الأساسي ليس عبارة عن فضل، بل هو حق .

لذا، عندما تعرفت على حقيقة الفقر لم أستطع إلا أن أتعجب “هل هذه الفكرة هي ما كنا ننتظره! هل يمكن أن تكون بهذه البساطة!“.

إقرأ أيضاً:

قرأت كل ما وجدته عن الدخل الأساسي وسرعان ما عثرت على قصة بلدة كانت قد قامت بذلك، قامت فعلا بالقضاء على الفقر ولكن بعد ذلك نساها الجميع.

تبدأ هذه القصة في عام 1974م في دوافين ، ماتتبوبا (مقاطعة في غرب كندا) حيث تم ضمان دخل أساسي لكل سكان هذه البلدة الصغيرة للتأكد أن لا يتدني أحد مستوي خط الفقر .

في بداية هذه التجربة حطَّ فريق من الباحثين في البلدة وجري كل شي علي ما يرام لمدة اربع سنوات .

ولكن تم انتخاب حكومة جديدة ولم يرى مجلس الوزراء الكندي جدوي من التجربة المكلفة، وعندما إتضح أنه لم يكن هناك مال كافي لتحليل النتائج، قرر العلماء جمع ملفاتهم في حوالي 2000 صندوق .

مواصلة ما انقطع

بعد 25 سنة قامت الاستاذة الكندية إيفلين جورجي بإيجاد السجلات ، خلال ثلاثة سنوات، أخضعت البيانات لكل أنواع التحليل الاحصائي ومهما حاولت كانت النتائج تبقى نفسها كل مرة ، حققت هذه التجربة نجاح باهراً.

واكتشفت إيفلين جورجي أن أهل دوافين لم يصبحوا أغنى وحسب بل أيضا أذكي وبصحة افضل، منذ ذلك الحين تم إيجاد نتائج مماثله لعدد هائل من التجارب حول العالم .

لذا عندما يتعلق الأمر بالفقر يجب على الأغنياء أن يكفوا عن الادعاء بأنهم أكثر معرفة  ، يجب أن يكفوا عن إرسال الأحذية ودمى الدببة للفقراء .

الفقر اللذين لم يلتقوهم أبداً، ويجب أن يتخلصوا من القطاع الواسع الرأسمالي حيث يمكن أن يمنح رواتبهم للفقراء ممن يجب أن يساعدوهم .

قيمة المال تكمن بقدرة الناس على شراء ما يحتاجونه بدلا من الأشياء التي يعتقد من نصبوا أنفسهم خبراء أنهم يحتاجونها.

تخيلوا كم عالما وريادي أعمال وكاتب لامعا  ، تخيلوا كم سنحرر من الطاقات والمواهب اذا تخلصنا من الفقر نهائيا.

أعتقد أن الدخل الأساسي سيكون رأس مال إستثماريا للناس ، لا يمكننا تحمل نفقته إلى أن نقوم بهذا لأن الفقر مكلف جدا ، النهضة الاقتصادية مطلب لكل شعب حتى يحدث الرخاء والتطور .

برأيك..

كيف يمكننا إدخال برنامج الدخل الأساسي ضمن أولويات النهضة الإقتصادية ؟ وماهي العوائق التي يمكن أن تواجه ذلك؟

المصدر
مصدر اول مصدر ثانيمصدر ثالث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى