غير مصنف

غداً نلقى الأحبة

طرحت ذات مرة سؤالاً على صفحتي في الفيس بوك..

لو كنت صحابياً، من تتمنى أن تكون؟ ولماذا؟

تعددت الإجابات والأسباب، وكانت مليئة بالحب والشوق..وعلى المستوى الشخصي..

تمنيت لو كنتُ بلالاً!

نعم! لطالما تمنيت أن أكون بلال بن رباح! ..ذلك العبد الأسود ابن حمامة كما كانو ينادونه، نسبة لأمه في إشارة لإهانته، في قرية يفخر فيها الناس بأشرف الأنساب!

 كان بلال بن رباح عبداً لأمية بن خلف، يقوم بخدمته على أكمل وجهه، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته، وكان يسمع من قريش ما يقولونه عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام وعن دينه في مجالسهم، فأسلم.

كان من أوائل الذين أسلموا وأعلنو إسلامهم، ونسبة لأنه كان عبداً فقد عُذِّب عذاباً شديداً، لم يرحمه أمية بن خلف، وكان يشتد عليه بالعذاب كل يوم، ولم يزده ذلك إلا إيماناً، وكان يردد مقولته الشهيرة ..

” أحدٌ، أحد”

حتى أن قريش قالت تعب أمية ولم يتعب بلال! كلما ازداد تعذيبه، زاد إيمانه.. حتى اشتراه سيدنا أبوبكر الصديق وأعتقه! بعدها بدأت مرحلة جديدة من حياة بلال، مرحلة المسلم الحر.

رافق النبي صلى الله عليه وسلم في تفاصيل حياته، ولما هاجروا للمدينة أصبح بلال مؤذن الرسول، أول مؤذن في الإسلام! وجزاء المؤذنين يوم القيامة أنهم أطول أعناقاً، وكأن ذلك عزاءً لبلال الذي طالما ذُل وعُذب وهو يقول ” أحدٌ، أحد”.

وقد شهد بلال مع النبي محمد غزوة بدر، وقتل يومها أمية بن خلف مولاه السابق الذي كان يُعذّبه! كانت حياته في المدينة بين العمل والأذان وصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

روى أبو هريرة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوله لبلال عند صلاة الصبح: «حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني قد سمعت الليلة خشفة نعليك بين يدي في الجنة»، فقال بلال: «ما عملت عملاً أرجى من أني لم أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل ولا نهار، إلا صليت لربي ما كتب لي أن أصلي»

يا لجمال بلال،، لم يذكر أيام عذابه وصبره على دين الله، لم يذكر حرارة الشمس، وثقل الحجر على بطنه، لم يذكر الدماء التي سالت منه في سبيل إصراره وثباته على الحق، لم يذكر غزواته مع النبي صلى الله عليه وسلم! ولكن ذكر عملاً بسيطاً في نظرنا القاصر، عظيماً عند الله عز وجل 💛

أثره في قلوب الصحابه..

قضى سيدنا بلال حياته في المدينة، حتى إذا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاقت عليه المدينة،فذهب الى أبي بكر رضي الله عنه يقول له : يا خليفة رسول الله ، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله، قال له أبو بكر : فما تشاء يا بلال ؟قال : أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت قال أبو بكر : ومن يؤذن لنا ؟قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع :” إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله” قال أبو بكر: “بل ابق وأذن لنا يا بلال” ،قال بلال :” إن كنت قد أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد ، وإن كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له”،قال أبو بكر : “بل أعتقتك لله يا بلال”.

ورحل بلال إلى الشام، وذات ليلة رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه يقول له ” يا بلال ما هذه الجفوة، أما آن لك أن تزورنا”، فانتبه حزيناً ، فركب الى المدينة ، فأتى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وجعل يبكي عنده ويتمرّغ عليه ، فأقبل الحسن والحسين فجعل يقبلهما ويضمهما فقالا له : (نشتهي أن تؤذن في السحر)، فصعد بلال إلى سطح المسجد فلمّا قال : (الله أكبر الله أكبر ) .. ارتجّت المدينة فلمّا قال : ( أشهد أن لا آله إلا الله ) .. زادت رجّتها .فلمّا قال : ( أشهد أن محمداً رسول الله ) .. خرج النساء من خدورهنّ ، فما رؤي يومٌ أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم!!

بلال عبر العصور..

في عصرنا هذا هناك الكثير من الكتب والمسلسلات والأفلام التي إما تضمنت شخصية الصحابي بلال أو أنها كانت عنه فقط، ومن أشهرها فيلم الرسالة للمخرج مصطفى العقاد، فقد أدى دور الصحابي بلال الممثل ” علي أحمد سالم “، وكذلك مسلسل عمر والذي أدى فيه دور الصحابي بلال الممثل ” فيصل العميري“.

ومؤخراً فيلم “بلال” وهو فيلم ثلاثي الأبعاد مستوحى من سيرة حياة الصحابي بلال قام بأداء الصوت لشخصية الصحابي بلال ” قصي خصر“.

وفي هذا السياق يجب التطرق لرواية الدكتور أحمد خيري العمريشيفرة بلال” والتي يحكي فيها عن طفل اسمه ” بلال” يعاني من مرض السرطان ثم يسمع قصة الصحابي بلال وكيف أنه صبر على كل ذلك العذاب، ويتخذه قدوة له في حياته.

شيفرة بلال للكاتب د.احمد خيري العمري

توفي سيدنا بلال في الشام، ويُروى أنه لما حضرته الوفاة، قال: «غداً نلقى الأحبة، محمدًا وصحبه»، فقالت امرأته: «واويلاه!»، فقال: «بل وافرحاه!».

 نعم، وافرحاه يا سيدي بلال، ليهنِك حب الله ورسوله لك، ليهنِك قربك الآن وصحبتك لرسول الله! مثالاً للصبر، والإحتساب، للقلب الطيب والبساطة.

في مقولته الأخيرة ” غداً نلقى الأحبة” عزاءاً لكل من فقد حبيبه، عزاءاً لكل مشتاق، الصبر مفتاح اللقاء، وكما قال سلمان العودة ” لم تنتهي الحكاية، غداً تطير العصافير”.. 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى