مجتمعمنوعات

مسرحية زين الأدغال – رحلة البحث عن الذات

قد تبدو لك مسرحية زين الأدغال وللوهلة الأولى أنها مسرحية للأطفال، ولكنها تحتوي في كلماتها على معانٍ عظيمة تدعو للتأمل، وتحث على العمل! وعلى الصعيد الشخصي فقد كان لهذة المسرحية فضل كبير في تكوين العديد من الأفكار لدي!

ماهي مسرحية زين وعن ماذا تحكي؟

تحكي زين الأدغال قصة البحث عن الذات ، وسط عالم لا يشبهك ، ولا تنتمي إليه ، وغير مناسب للعيش فيه ، هل ستقوم بثورة على كل الواقع ?! وهل سترفض كل ما ألفته ?! هل ستبدأ من البداية جداً كي تبحث عنك?! هل ستستدعي إنسانيتك وتخرج من الأدغال ، وتقرر الحياة ” ?!

شكراً الله !

هبة مشاري كاتبة نص مسريحة زين الأدغال

تستنطق هبه مشاري حمادة – كاتبة نص المسرحية – مجموعة من الحيوانات التي تعيش في الأدغال ، وأول من تمّ إستنطاقه هو ” العصفور ” الذي يتحدث عن فطرة الحيوانات التي تدعوهم دائما إلى الشكر ، شكر الله عز وجل على كل شئ ، ويأتي الشكر على لسان ذلك العصفور وهو يغنّي :

” شكراً يارب ، شكراً من قلب على الكسر فقد علمتُ أنّ الذي ما قلتني قوّاني ..

شكراً يارب ، على الحزن ، فقد عرفت أنّ سيُضحكُني ما كان أبكاني ..

شكراً يا ربّ ، على المرض ، فقد عرفت من نسيتُ ولا ينساني ..

شكراً يا رب ، على الخوف ، فقد عرفت من برده دفءُ أماني .. شكراً يارب ، على الجوع ، فقد عرفت أنّي مهما عظمتُ أُعاني ..

شكراً يارب ، على الفشل ، فقد عرفت أنّ بقدر ما كرهتهُ سوّاني ..

شكراً ياربّ ، على الفقد فقد عرفت لما غابوا أين ألقاني .. شكراً ياربّ ، على التّعب فقد عرفت منه مكاناً لبيع الأماني .. ”

هكذا تبدأ المسرحية بهذة الروحانية العالية ، وهذا التجّلي الذي يجعلك تتأمّل في نفسك و تُجبرك على قول ” شكراً يارب ” ..

قانون العيش !

لقطات من مسرحية زين الأدغال

ثم تشرح لنا بعد ذلك قانون العيش في الأدغال المختصر في ” إمّا تكون أو فلا ” بعبارة أخرى قانون – البقاء للأقوى – وكيف أن حيوانات الغابة متصالحة جداً مع ذاتها وكل حيوان يعيش حياته بطريقته التي تؤهله للعيش لأطول فترة ممكنة. .

تبدأ الحيوانات في المسرحية بالسؤال والجواب ، تتساءل الحيوانات وتجاوب :

” إين الأمس ?! في قلب الفجر “

” أين الفجر ?! في قلب الشمس “

وهكذا حتى تنتهي سلسلة التساؤلات بسؤال ” أين اليوم ?! في قلب الأمس ” ليتم الوصول إلى الجواب الأكبر وهو دوران الدنيا وعدم إستقرار الحال فيها وجدلية الإستمرار التي لا تنتهي لتقول لك الحيوانات ” كل الأشياء عابرة ، كلٌ يبيع ما شرى ، سيكبُر ما تستصغره ، وسيصغُر ما تستكبره ، ويدور العالم دائرة ” ويبدؤن بتعريفك – أيها الإنسان – بطرق تساعدك على الحياة في هذه الدائرة فيقولون لك :

” ستمر عليك السعادة فسلمها نفسك “

” ستمر عليك الهموم ، فخذ منها نفسك ”

” ستمر عليك الإرادة ، عرّف بها يأسك “

” ستأخُذ منك ، وتُعطي إلى ، ما تملكه تُملك له ، إما تكون أو فلا “

فكرة الثورة لجورج أورويل !

لقطات من مسرحية زين الأدغال

بعد ذلك تظهر في الأدغال الطفلة ” زين ” من جنس الإنسان وعلى قولهم ” ليست قردة ولا هي فيله ، لا تملك شعراً أو ذيلا ” يتساءل الحيوانات بشأن هذه الطفلة ، كيف ولماذا وجدت هُنا ?!

وتتجلّى هنا صفة الحذر لدى الحيوانات ، حيث يبدأون بتحليل هذه الفتاة فقد كانت بالنسبة لهم مجهولة تماماً ” ماذا نفعلُ ما الوسيلة ” ، فيبدأ أحد الحيونات بتحذيرهم من الإقتراب منها ويقول ” فليذهب كُلٌّ في سبيله ، لا شأن لنا بها أو حيلة ” وذلك بناء على قانون الغابة الذي يقول ” كُلٌّ عن نفسه مسؤول “

ويقترح عليهم أحد الحيوانات ” أن نتمهّل ” بحُجّة ” لا نثق فيما نجهل ” فتُعطيه بقيّة الحيونات درساً جميلاً في الثقة ، ويبدأون في الغناء له :

” ما العسل إلا ثقة النحلة بزهرة ،ما الجبلُ إلا ثقة الصخرة بصخرة ،ما الأمل إلا ثقة الصبرُ بعثرة ،ما العمل إلا ثقة العقل بفكرة ” بعد ذلك يقررون إيواء ” زين ” معهم في الأدغال..

وهنا دائما ما أتذكر فكرة ” الثورة ” التي تحدث عنها ( جورج أورويل ) في ملحمته ” #مزرعة_الحيوانات ” وكيف أن حيوانات الغابة قامت بالثورة على حاكمها .

طالع أيضا :

ولكن في المسرحية لم تكن الثورة على حاكم ، ولكنها كانت ثورة على فكرة ” الركون إلى الراحة والخوف من المجهول ” ومخاطرتهم في إيواء “زين ” معهم في الأدغال، خصوصا وأن لديهم خلفية مسبقة عن الإنسان وطبعه ، ولكن كان ذلك بمقابل!!

وهنا تتجلى المنفعة المحضة عند الحيوانات فيفكرون في الأمر ويقولون :

” ماذا لو أعطيها حليبي لترُدّهُ في الغد حُبّا ،

ماذا لو أعطيها أماني لترُدّهُ في الغد قُرباً ،

ماذا لو نامت في حضني لترُدّهُ فرحاً في حزني ،

ماذا لو غطاها لحافي ، لترُدّهُ في الغد – لا تخافي – ،

ماذا لو أعطيها ثقتي لترُدّهُ في الغد يا أبتي ” ..

فيأخذون ” زين ” ويعطونها درساً في الحياة ستسفيد منه لاحقاً – كما سنرى – فيقولون لها :

” لا تخاف ، خذ فرصة حتى لو تخسر .. فخسارة أن لا تحاول ، أكبر ..

لا تخاف ، عش قصة حتى لو تُكسر .. فخسارة أن تبقى جاهل ، أكبر ..

لا تخاف ، خض حرباً حتى لو تؤسر .. فخسارة أن تبقى جاهل ، أكبر ..”..

انتفاضة زين الأولى !

بناءً على ذلك ، تنشأ الطفلة ” زين ” في الأدغال مع الحيوانات ، وتعيش معهم حياتهم كماوكلي تماماً .

ولكن كان لابد من الإنتفاضة ، لا يوجد إنسان يستطيع العيش في الأدغال ، لابد له يوماً أن يستفيق ويتساءل لماذا أنا هنا ?! تماماً كما ” إذا الشعب يوماً أراد الحياة ، فلا بد أن يستجيب القدر ” ،وهذا بالضبط الذي حدث مع ” زين ” وفي لحظة وعي وإدراك تساءلت :

” كُلّ ما أنظُر في البُحيرة أرى وجهي لا يُشبه غيره ، ما عائلتي ، ما أصلي ، لا يوجد أحد مثلي ?! “

ثم تبدأ رحلة ” زين الإنسان ” الإستكشافية ، وتبدأ بالبحث عن أصلها وسط الحيوانات ، حيث أصبحت تعي تماماً أنها لا تُشبههم في شئ واستصحبت معها نصيحتهم لها في صغرها ” لا تخاف ، خُض حرباً حتى لو تؤسر ، فخسارة أن تبقى جاهل أكبر ” ، وقررت ” سلّم نفسك لمغامرة ، ليس لدينا ما نخسره ” .

وتبدأ ” زين ” بالعيش مع الفيل ثم تكتشف أنها لا تشبهه ، ثم تذهب للدب وتكتشف أنها لا تُشبهه ، ثم إلى الغوريلا وأيضا ترجع خائبة الآمال في رحلتها هذه .

بشرٌ في الغابة !

لقطات من مسرحية زين الأدغال

ولكن في نهاية هذة الرحلة تجد” زين” – بشر – مثلها تشبههم ويشبهونها، يأتون للغابة ليصطادوا الحيوانات لعمل خاص بهم ، ثم تُعجب ” زين ” بهم جداً وتبدأ بالبحث داخل بيتهم وتُقارن حياتهم بحياة الأدغال وتقول لأصدقائها الحيوانات الذين بدورهم يحذرونها بالإقتراب من ” البشر ” :

” صنعوا بيتاً في ثواني ”

ترد الحيوانات :” عندنا أشجار تأوينا “

تقول زين :” يأكلون من أواني “

ترد الحيوانات :” ألذ طعام من أيدينا “

تقول زين :” عندهم صندوق يُصدر أغاني “

ترد الحيوانات :” تغريد الطير يُشجينا ”

وهكذا يدور النقاش بينهم ، كلٌ يحاول إستعراض مميزاته في العيش عن الآخر ، إلى أن تجد ” زين ” – قطعة خشبية – تُمسكها وتسأل ” زين ” :

” ما هذه القطعة الخشبية؟ ”

فيجاوبون :” تلك الكارثة بندقية ، عُرف الإنسان بطبعه ، إن الحرب عنده خدعة ، لا يأخذ حقة بذراعه ، بل يُصوّب من بعيد ، لا يحتاج الأمر شجاعة إنما قلب من جليد ، جُبل الإنسان على الغدر ، لا يواجهه يطعن في الظهر ”

وكانت تلك نظرة الحيوان إلى الإنسان ، عن جُبنه في المواجهة عند الحروب التي يخضوها ، عن غدره ، عن خيانته ، عن عدم أمانته ، عن عدم وفائه .

تمرد زين !

لم يُقنع هذا الكلام ” زين ” وأعلنت تمردها الأوّل على الحيوانات وقالت :

” سئمت من الأدغال ”

وفكّرت أن رُبّما يكون البشر الذين جاءوا إلى الغابة للصيد عائلتها .. وهنا تصاب الحيوانات بالصدمة ويسألونها ” ألسنا عائلتك يا زين ?! ” فتبرر بقولها ” كُلُّ منّا له شاكله ، أنا أشبههم لا ترين ?! “..

وهنا تبدأ الحيوانات بمناشدة ” زين” لتعود :

” زينٌ عودي ، عودي زين … يا من سُكناك في العين .. لا تتمسك فيما يُتعب .. أفلت يدك دعه يذهب .. قد ينقلب الكل عليك .. إهتز لا عيب في أنت تهتز .. ثم قف على قدميك .. إهتز لا عيب في أنت تهتز “

طالع أيضاً :-

نوايا خبيثة !

وبطبيعة الإنسان الذي يألف بني جنسه ، خضعت ” زين ” إلى أولئك البشر ، والذين تتضح نواياهم فيما بعد بأنهم يريدون جعل ” زين ” عارضة أزياء للإستفادة منها وذلك طبعا بعد إعادة تأهيلها لتصبح ” فتاة حقيقة ” بدلاً من ” فتاة الأدغال ” .

ولتحقيق هدفهم الأساسي وهو ” الصيد ” تم خداع ” زين ” لتجمع أصدقائها الحيوانات بدعوى عمل ” حفل تعرُّف ” فيوافق حيوانات الغابة على حضور الحفل وهم مسرورن بتلك الدعوة .

وهنا تتضح أكثر صورة الإنسان بالنسبة لحيوانات الغابة ، والطبيعة التي لا تتغير في الإنسان – حسب نظرتهم – وهي ” الغدر ” .

فيتم حبس الحيوانات في قفص ، ويتم كشف الخدعة ، هنا يشعر الحيوانات بأن جهدهم في رعاية ” زين ” قد ضاع وأن المنفعة التي كانوا يرجونها في البداية لم تحصل لهم ويتجلّى تحسرهم في قولهم :

” كان ويا مكان ، طفلة في قديم الزمان .. رقّ لها قلب الحيوان ، مني حليبٌ ، منك حنان ، عندي طعام ، عندي مكان ، صارت طفلتنا كبيرة ، عندها أسئلة كثيرة ، وكان كلنا حيران ، لكنّي عرفت الآن ، قد كُنّا نُربّي إنسان ، ردّ جميله لما خان ، أما وقد خُنتي عهدي ، بقيت لك كلمة عندي ، لا تثقي ببشر أبداً كي لا تكوني مكاني ، من كنت أظنُّه ولداً سلّمني بيده لسجّاني ”

انتفاضة زين الثانية !

لقطات من مسرحية زين الأدغال

تنتفض ” زين ” بعد ذلك ، وهنا تتجلّى صفة الإنسان الباقية تلك التي تظهر بوضوح شديد عندما يواجه حقيقته ، وعندما يرى أصله الذي نمى في مكان ما حتى أثمر ، هنا يتجلّى ” الوفاء ” وفاء الإنسان الحقيقي ، فتُطلق سراحهم جميعاً وتقول لهم ” زين ” : ” لما تبذُر ورداً لن تحصد أبداً ليمون “

فتهرب الحيوانات من القفص ، ويدعون ” زين ” للهروب معهم والعودة للأدغال ! وعيش حياة ” إما تكون أو فلا ” ولكن ترفض” زين ” العودة وتعلن التمرد مرة أخرى ولكن هنا كان تمرُداً مدروساً ومسؤولا جداً حيث قررت بداية حياة جديدة خارج الأدغال ، ذلك القرار الذي أتى بعد التساؤل وخوض المغامرات ورحلة البحث عن الذات والأصل ، فتقول” زين ” بمنطقية شديدة :

” في الغابة ما عاد لي معنى ..لن أتأرجح مثل القرد ، ما بين الأمس والغد ..لن أمشي كفيل في قطيع ..كلما أُمرت أُطيع .. لكن أرقص مثل الدببه ، وكأن العمر لعبة ”

وفي عبارة أخيرة حاسمة توصل ” زين ” لحيوانات الغابة فكرة أن البقاء بقاءٌ في القلب ، وإذا مات الإنسان في قلب إنسان لم يعد له وجود حتى وإن كان حيٌّ يُرزق فتقول لهم :

” أفارقكم والقلب هنا ، لا يغيبُ إن غبتُ أنا “..

فكرة زين !

زين ، تقول بعدم إطلاق فكرة ” المطلق ” على الإنسان ، فليس كل إنسان خائن ، وليس كل إنسان وفي ، ولكننا نتأرجح بين معاني الخير والشر ، الضد والضد عندما يقوى فينا ماهو إلهي نميل للخير ، وعندما يضعف نميل للشر .

تعزز ” زين فتاة الأدغال ” مفهوم البحث عن الذات مع عدم التخلّي عن – الأخلاق – في هذه الرحلة الطويلة التي لابد لك فيها أن تواجه الإختبارات والإبتلاءات

يقول علي عزت بيجوفيتش ” الدراما والتراجيديا وحتى الكوميديا تؤجج المتاهة الأخلاقية لأنها تؤدي بسؤال الخير والشر إلى الوعي الكامل به ” ..

هذا هو الوعي الكامل به .

شاهد مسرحية زين الأدغال :

أبطال مسرحية زين الأدغال :

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى