منوعات

هــنا لـنـدن وهنا امدرمان !

هنا لندن ، سيداتي سادتي ، نحن نذيع اليوم من لندن باللغة العربية للمرة الأولى في التاريخ

بهذه الكلمات أعلن كمال سرور انطلاق القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية في العام 1938 ، الإذاعة الأشهر عالمياً في وقتها بل وحتى الأن بدأت ببث أثيرها باللغة العربية لمنطقة الشرق الأدنى ، وعبر برامجها المتنوعة ونقلها لكل أخبار العالم لحظة بلحظة وبمهنية عالية حجزت مكانها في قلوب الملايين من المستمعين حول العالم .
بالقسم العربي بدأت واشتهرت قبل ان تتحول الى ” بي بي سي عربي ” لنعرف جزءاً من علاقة السودان بالقسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية .

أحمد كمال سرور، أول مذيع يقرأ نشرة في بي بي سي العربية في عام 1938.

» القسم العربي والسودان :

السودان كغيره من الدول كان له نصيب من هذه التحفة الفنية في وقتها ، فالعاصمة الخرطوم كانت تستقبل اثير ” هنا لندن ” في كل حدود الولاية قبل ان يتوسع بثها في الألفية الثالثة ليصل الى عدد من الولايات ، والسودانيون في وقتها عشقوا إذاعة لندن وربما أثر هذا العشق ما زال موجوداً حتى الأن في حديثهم اليومي ، ففي الفترة ما قبل الألفية الثالثة كان هنالك إذاعتان فقط في الخرطوم يستمع لهما المقيم في السودان في اي وقت وهما ” هنا أم درمان ، اذاعة جمهورية السودان ” و ” هنا لندن ، القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية ” ، فكان تنقل المقيم في قلب العاصمة الخرطوم بين هاتين الإذاعتين أغلب الوقت ، فيهما يستمع الى اخباره وبرامجه ، يتابع العالمي والمحلي ويخرج من طور حياته اليومية عبر البرامج التي كانا يقدمانها .

فعلاقة السودان مع ” هنا لندن ” بدأت منذ انطلاقتها واستمرت الى العام 2010 قبل أن تغلق بأمر السلطات السودانية في وقتها ولكنها عاودت البث مجدداً في العام 2019 والسودانيون تغنوا طرباً بعودتها وفي هذا يظهر ولاء السوداني ل ” هنا لندن ” وحبهم لها .

» الطيب صالح و صلاح أحمد وغيرهم في لندن !

بروفيسور الطيب صالح

علاقة السودان والقسم العربي بهئية الإذاعة البريطانية تعدت حدود بثها فقط ، بل الكثير من المذيعين السودانين بل وحتى المثقفين والكتاب والفنانين كانوا حضوراً هنالك في هيئة الاذاعة البريطانية ، فالطيب صالح على سبيل المثال كانت انطلاقته الفعلية وكتاباته الفلكية هنالك في لندن فقد كان يعمل هنالك وتدرج الى أن وصل درجة مدير قسم الدراما في القسم العربي وبكل تأكيد اثناء عمله سلط الضوء على كثير من تراث وثقافة السودان وقضايا السودان في وقتها .

ولا ننسى الإعلامي القدير رحمه الله عليه صلاح أحمد الذي نقل أغاني وتراث السودان هنالك في لندن لتبث في كل بقاع العالم عبر استضافته للفنانين السودانين وعرضه تسجيلات حقيبة الفن ليسمعها العالم .

فنحن كسودانين نفتخر بكوكبة من الأساتذة والرواد الذين مثلوا السودان هنالك في لندن كمقدمين ومذيعين امثال إسماعيل طه ، محمد خير البدوي و أيوب صديق وامتدت المشاركة الى الجيل الاخير عن طريق العُمرين عمر الطيب وعمر عبدالعزيز ورشا كاشان وربما سقط سهواً عنا أخرين .

محمد خير البدوي

فالبتأكيد ” هنا لندن ” كانت لها بصمتها في السودان وربما كانت البذرة التي ساعدت في ازدهار الإذاعة في وطننا الحبيب .

» هنا أم درمان في لندن !

أصابت الدهشة العاملين بالقسم العربي بل وكل مستمعي القسم العربي في العالم حين سماعهم ” هنا أم درمان ” بدلا عن الجملة الشهيرة ” هنا لندن ” في أحدى نشرات الأخبار ، هكذا ” أخطأ ” عقل الإذاعي الفذ أيوب صديق الذي نازعه الحنين الى وطنه السودان في سبعينات القرن الماضي وتدارك الأمر سريعاً بإرتجال رائع حين قال بيت أمير الشعراء شوقي : “وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي ” وأكمل ” هنا لندن ” .
الإذاعة السودانية ” هنا ام درمان ” بدأت في العام 1940 اي بعد عامين من تدشين القسم العربي ، ولكن هل تأثرت الإذاعة السودانية بـ”هنا لندن ” ؟!

في تلك الفترة كان الأثيران هما الأكثر إستماعاً في السودان وما بين هنا لندن وهنا أم درمان كان المستمع السوداني يغير دولاب الراديو أملا في أن يجد برنامجاً يخرجه من طور حياته اليومية ويسعده ، بالتأكيد كان هنالك فرق شاسع بين الإذاعتين ، فتلك عالمية وهذه محلية ، تلك لها من الأجهزة والدعم ما جعلها تبث في كل بقاع العالم ، وهذه أثيرها لم يكن يغطي كل السودان في فترة الثمانينات والسبعينات ، ولكن بالتأكيد وجود القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية في السودان خلق مناخ تنافسي جعل من هيئة الإذاعة والتلفزيون في السودان تحاول مواكبة القسم العربي وتنال رضا السودانين .
وبالتاكيد كانت الخبرات التي تناقلت بين الاذاعتين ، ساهمت في خلق جيل واعد من الإذاعين الذين تتدربوا عى ايادي هؤلاء الكبار وبالتاكيد ساهمت هنا لندن بأن نجد هذا العدد الضخم من المذيعين في السودان ، ناهيك عن الاجهزة و المعدات التي دخلت الى السودان وفرص التدريب التي كانت متاحة للعاملين بإذاعة ام درمان في إذاعة لندن .

فهل تأثرت هنا أم درمان ؟ حتماً تأثرت ايجاباً وبشكل من الأشكال ساعدت ” هنا لندن ” في نهضة الإذاعة السودانية .

اذاعة هنا امدرمان

ربما تكون قد لاحظت أن جُل حديثنا يدور في فترة ما بعد السبعينات ، وأردت ان أسلط عليها الضوء كونها بكل تأكيد اثرت ايجاباً على الإذاعة السودانية ، ولكن يبقى السؤال الذي يراودني كثيراً ، ألا يمكن أن نسمع ” هنا أم درمان ، إذاعة جمهورية السودان ” هنالك في لندن ؟!

أنا هنا لا أتحدث عن نطاق البث أنا اتحدث عن جودة البرامج والمحتوى ، فهل يمكن أن نجد ” هنا أم درمان ” عالمية ؟

الإجابة على هذا السؤال أتركها لك عزيزي القارئ ، ولكن بكل تأكيد بالاجتهاد والعمل ربما نجد العالم يشهد ميلاداً لقسم عربي جديد ونجد الملايين حول العالم ينتظرون بشغف ” هنا أم درمان ، إذاعة جمهورية السودان ” .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى