مال و أعمال

هل الفن يجني المال ؟

بعضهم يجني ثروات طائلة من الفن ، وأخرون رغم إبداعهم يحصلون على القليل ، العلاقة بين الفن والمال أصبحت مثار جدل واسع !

المال والفن ” قد تراوح هذان المفهومان وشَكّلا نقطة مُهمة تقبعُ وسطَ مُحيط جدلي كبير نسبةً لما أصبح يحققه الفن من أموال طائلة.

ذلك الجَدل الواسع أصبحَ حديثَ البعض في الآونة الأخيرة؛ –هل فعلاً الفن يجني المال؟– ذاك السؤال الذي لا سيما يُطرح دايمًا وحظى بكُتلة من التساؤلات في عالمنا الحاضر.

من الصعب جدًا التفريق بين هذان المفهومان ولكن الإرتباط كان طفيف في قديم الزمان، ولا تنشأ علاقة كُلّية بينهما ولكن! من الحُمق أن نفصلهما عن بعضهما البعض وأن لاتكون للمادة والمال علاقة بالفن فهذا غير منطقي البتة ولكن الجدل هُنا في تحول الفن إلى مادة بحتة.

في المقال هذا تطرقتُ إلى توضيح اللبس وتوضيح جُلّ الأمر بينهما، وانجراف الفن الذي كان يمثل نقطة حضارية جميلة، إلى أن صار صناعة وسلعة تُحقق الثروة فقط.

علاقة الفن بالمال !

علاقة الفن بالمال لا سيمَا أن في الآونة الأخيرة أصبحَ لفظ (فن) مصطلح رمزي فقط؛ إرتبط إرتباطًا كُليًا بالمال، وأنا عندما أقول كُليًا هنا أطلقتُ الكُل وأردتُ الجُزء.

فإن لم تكُن كُل الفئات المُستحوذة على الفن فالبعضُ أو الأغلبُ منها يسعى وراء المال، فقد إرتبط المال إرتباطًا كُليًا بالفنون، وأصبح هو الورقة الرابحة وسيّدُ الإنتصارات .

في الآونة الآخيرة اصبحت قيمةُ الفنان ليس بما يُقدم من فَن بل بِمقدار ما يملُك مِن مال ..!

لا ننكر بإن إرتباط الفن بالمادة ظهر عبرَ القرون الماضية وعلى وجه التحديد القرن الأول الميلادي ولكن ! تزايد إهتمام الناس بالفن وإرتباطه المالي أو المادّي في القرون الآخيرة، وهذا يرجع لإتساع سوق الفن وتَحَوّل الأمر من قطع فنية كانت تُعمل بحُب إلى إن تطور وصولاً لكونها سِلع مادية أو بضاعة بالمعنى الحرفي.

وأنا هُنا لا أقتصر الفن وأحصرهُ على فئة مُحددة، أنا أتحدّث عن الفن بشكله العام وبكُل تخصصاته.

” مِن الإفلاس إلى التصاعد “

ذلك العُنوان هو حديث الفنانين ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﻴﻦ ﺻﺎﻣﻮﺋﻴﻞ ﻛﻮﺍﻥ ﻭ ﻳﺎﻥ ﺩﻳﻤﻮﺟﻴﻪ عندما أقاما معرضًا بمدينة بيروت يتحداث فيه عن هذا الأمر؛ حيثُ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻔﻨﺎﻧﺎﻥ ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻌﺮﺽ : ” ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺳﻌﺮ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻔﻨﻲ ﻣﻬﻤﺎً ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ، ﻓﻐﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ ﻋﻨﺪ ﺇﻧﺠﺎﺯ ﺍﻟﻌﻤﻞ ” .

فقيمةُ القطعة الفنية أصبحت تُقاس بمقدار ما سيتم دفعه فيها، فالفنّان أصبح يُقدس القطعة التي يصنعها كسبًا للمال فقط وليس حُبًا في فنه.

المسابقات والجوائز وأثرها على العلاقة بين الفن والمال

من العوامل التي ساعدت على تعقيد العلاقة ما بين المال والفن ظهور وتطور دور المُسابقات والمؤسسات المانحة للجوائز؛ الأدبية أو الثقافية المهتمة بالجوانب المادية دون نظرة لقيمة الفن من الأساس، فقد أصبح الفنان يُقبل على التقديم بشراسة وبشهية، مقابل صُنع مادة للمشاركة بها -فقط لكسب المبالغ الطائلة التي تمنحها له هذه المؤسسات- وهذا جُلّ ما في الأمر.

أصبح التنافسُ على التجارة في الفنون أمرًا كثيرًا، نسبةً لانتشار أسواق الفن العالمية، فظهر حديثًا بأنّ الفنان الحقيقي هو الذي ترتفع قيمة أسهمه في سوق الفن -وهذا في وجهة نظري خاطئ- فالفن لايُقدر بمال ولا ثمن.

لو تحدّثنا بشكل مُخصص عن الفنون التشكيلية والرسم، أصبحت المادة هي العامل الوحيد الذي يسيطر على هذا الجانب، فالمهم ليس ما تَصنع من فن وليس ما يقوله النُقاد؛ المهم هو ارتفاع قيمة العمل الفني في سوق الأموال دون النظر إلى إرضاء الذوق العام، أو إرضاء رغبة الجُمهور.

تجد أن رغبة الفنان الأولى هي إنتاج تُحفة فنية تُحقق وتُشبع له الرغبات المادية فقط مع إهمال الجوانب الأخرى؛ فالرسام قديمًا كانَ يرسم لنفسه؛ يرُسم للطبيعة، يرسم لعبر عن مشاعره .. ولكن! الآن جُل مافي أمره لوحة لجلب الأموال الطائلة، تحوّل بتحول العصور إلى شخص يُقدس المادة ولا يقدّس الفَن.

طالع أيضاً :- تعرف على فن الماندالا ومجموعة ارهكتور للفن

من زاويةٍ أخرى !

هنالك تناقضٌ غريب بعضَ الشئ لبعض الفنانين أظهروا فيه احتقارًا للمال ولكن ذلك الاحتقار جلب لهم المزيدَ من المال، ظهر فنان أجنبي على التلفاز وحرق بعض الأوراق المالية علنًا أمام الجُمهور مخبرًا بإن المال ليس هو إلا بضع أوراق، ظلت تلك الحادثة حديث البعض نسبةً لما تحتوى من غرابة بعض الشئ؛ كيف لفنان يحتقر المال وهو أتى به نتيجة لبيع فنّه بدراهمَ بخس؟!

ضربت التساؤلات جدلاً واسعٌا في أحوال السوق الجديدة، على سبيل المثال : ﻓﺠﻴﻒ ﻛﻮﻧﺰ ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﺍﻟﺘﺸﻜﻴﻠﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺘﺼﻮﺭ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﻟﺒﺎﻟﻮﻧﻪ ﺍﻷﺭﺟﻮﺍﺯﻱ ﺍﻟﻤﻌﻠﻖ ‏(23 ﻣﻠﻴﻮﻥ ﺩﻭﻻﺭ ‏) ﺳﺘﺘﻮﺟﻪ ﻳﻮﻣﺎً ﻣﻠﻜﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺰﺍﺩﺍﺕ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﺑﻼ ﻣﻨﺎﺯﻉ ﻭﺗﺠﻌﻠﻪ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻤﻼﻳﻴﻦ،

هُنا لاضير لنا بأن العمل الفني وجَدَ نفسه مُحاطًا بالملايين نسبةً لتقييم الجُمهور له لا. ولكن الضّير يكمُنُ في توجه الفنان نفسه للمادة والتكهُّنِ بالإزلية المُطلقة للعمل.

أيضًا وﻻ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﺩﺍﻣﻴﺎﻥ ﻫﻴﺮﺳﺖ ﻛﺎﻥ ﻳﺘﻮﻗﻊ ﺃﻥ ﺗﺼﻞ ﻗﻄﻌﺘﻪ ﺍﻟﻤﺴﻤﺎﺓ ﺍﻟﺠﻤﺠﻤﺔ ﺍﻟﻤﺮﺻّﻌﺔ ﺑﺎﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﺇﻟﻰ ﺳﻌﺮ ﺧﻴﺎﻟﻲ ﻳﺴﺎﻭﻱ 100 ﻣﻠﻴﻮﻥ ﺩﻭﻻﺭ ! .

تلك الأعمال النادرة وجدت لنفسها مكانًا وحيزًا واسعًا للانتشار في سوق المال، ولكن..! كُل الأعمال الحالية تبحث عن مكانًا بنفسها وتلك المُفارقة هنا.

أسعار غير مبررة !

يجنون ثروات طائلة !

تُعجبني جدًا نظرية ( ﺃﻻﻥ ﻛﻮﻣﺎﻥ) ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﻓﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﺑﺎﺭﻳﺲ تحدثه عبر إذاعة ﻓﺮﺍﻧﺲ ﻛﻮﻟﺘﻮﺭ عن هذا الأمر .حيث تحدث عن أعمال الفنانين الكِبار وحقيقة لوحاتهم وفَنهم ووصولها لهذه الأسعار هو أمر يسهل فهمه وتصديقه؛ لأنهم رحلوا عن الدُنيا وﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﺍﻟﻌﺪﺩ ﻭﻧﺎﺩﺭﺓ تكاد أن تنقرض لهذا وجدَ مُبررًا لهم.

ولكن الأمر المُبهم وغير المُبرر الذي يصعب فهمه واستيعابه ﻫﻮ ﻗﻴﻤﺔ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻔﻨﺎﻧﻴﻦ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ، ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺎﺗﺖ ﺗﺮﺍﻭﺡ ﺑﻴﻦ ﻣﻠﻴﻮﻧﻴﻦ ﻭ 25 ﻣﻠﻴﻮﻥ ﺩﻭﻻﺭ، لماذا تبلغ أعمالهم ذلك السعر؟ هل هي نادرة الصُنع؟ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺳﻌﺎﺭ ﺍﻟﺨﻴﺎﻟﻴﺔ ﻭﺃﻋﻤﺎﻟﻬﻢ ﻟﻴﺴﺖ ﺑﺎﻟﻨﺎﺩﺭﺓ؟

منطق غريب !

غياب المعايير هل هو السبب ؟

جدل واسع حول مسألة ترميز الفن بالمال، أمرٌ عَلا صوته، تغيُّر الحال والعصور ودخول آفات المال لأذهان الفنان وغياب المعايير المُتعلقة بالقيمة الفنية هو الذي زاد من فُرط هذا الجدل.

تلك العلاقة الخطيرة بين الفن والمال أصبحت تهيمن على نَظر الفنان ودفع الفنانين على تكوين ﺛﺮﻭﺍﺕ ﻃﺎﺋﻠﺔ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﻧﺸﺎﻃﻬﻢ ﺍﻟﻔﻨﻲ.

ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻳﺠﻠﺐ ﺍﻟﻘﻮﺓ، ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺗﺤﻜﻢ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﻔﻦ

هذه المقولة المشهوره التي لطالما إرتكز عليها فنّانين هذا العصر فهي اصبحت الشماعة الوحيده التي يُعلّقُون عليها ابتكاراتهم واكتشافاتهم .

ذاك المنطق الغريب الذي بدأ يستفحل ويتغلغل في أصلاب الفنانين، أن تُرَمّز الأعمال الفنية وخاصة الرديئة بدراهِم معدودة، دون ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻗﻴﻤﺘﻬﺎ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﺑﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ومعطيات ودلالات ﻭﺍﺿﺤﺔ، ولا يوجد مَرسوم وخريطة واضحة تُنظم سير العَمل والتفريق بين الإبداع والذوق الردئ.

المصدر
أولثاني

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. مقال جميل وسرد أجمل لما آلت له أفكار المجتمع والفنانين للفن.
    تنافس المؤسسات الإعلامية وغيرها من المهرجانات والمنظمات التي ترعى الأعمال الفنية وتغدق بالصرف على الفنانين وتعطيهم الإعلام والجوائز جعل النظرة تختلف من مضمون الفن ومحتواه للنظر إليه فقط من ناحية مادية يتنافس تحتها الفنانين لأجل الشهرة والمال فقط مبتعدين عن مضمون الفن ومحتواه ورسالته.
    وفعلاً كما أن هناك من يكتبون أو يرسمون لأجل الماده، فهناك من يكتبون ويرسمون لأجل إصلاح المجتمع وتثقيفه وعكس وجهة نظرهم على كل الأحداث والتشوهات المجتمعية دون أن يلتفت أحد لمحتوى فمرهم أو مضمون رسالتهم.
    أتمنى فعلاً أن يكون الفن لأجل الفن والقيم.
    لك التحية والتقدير والإحترام أخي الكاتب خطاب.

  2. الفن صنع ثورة ديسمبر! بصراحة أكثر فترة جذبتني الفنون بمختلف أنواعها هو في فترة الثورة.. لمست حرفيا كيف يمكن للصورة.. للوحة.. للمقاطع الموسيقى ان تختزل بداخلها كما هائلاً من الجمال.. من المشاعر.. من الحب ♥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى