تقنيةمنوعات

الراديو ؛ هل تأثر بثورة التكنولوجيا الرقمية ؟!

” وتُعد الإذاعة، في الأوقات العصيبة والأحوال العسيرة، المحفل الدائم القادر على الجمع بين مختلف الأفراد والجماعات ، إذ تظل الإذاعة في جميع الاحوال والأوقات ، سواء أكنا في طريقنا الى العمل أم في مكاتبنا أو منازلنا أو حقولنا ، وسواء أكنا في زمن السلم أم الحرب أم في حالات الطوارئ ، مصدراً مهماً للغاية للمعلومات والمعارف يشمل مختلف الأجيال والثقافات ” – المديرة العامة السابقة لليونسكو السيدة إيرينا بوكوفا – 2017

» تجارب كثيرة أوروبية منها وروسية قادت في النهاية الى إختراع أول مذياع في العام 1906م ؛ الإختراع الذي أذهل العالم في ذلك الوقت و خاصة بعد ظهور أعجوبة هيئة الإذاعة البريطانية في العام 1922م وما تبعها مع انتشار للإذاعة جعلها أعجوبة القرن العشرين بالتأكيد ، وربما تلك الفترة – عشرينات القرن الماضي – شهدت ميلاد الكثير من الإذاعات وذلك لأغراض مختلفة ولكن أجتمع أغلبها على ظروف الحرب .

برج من اجهزة الراديو التاريخية في لندن

فالإذاعة كانت وسيلة المواطن الأولى لتلقي الأخبار ، ومعرفة حالات الطوارئ ، ومتابعة مجريات الحرب ، ناهيك عن الإستخدمات العسكرية والسياسية في وقتها ، ولكن بعد إنتهاء الحرب ، تغير شكل الإذاعة فصارت ملاذ المواطن الأول لمعرفة قضايا العالم المختلفة وأخباره والإستماع الى البرامج المتنوعة التي كانت تجعل المستمع يسافر في خياله متخيلاً ما يحدث خلف المذياع .

يمكن للمرء أن يشعر بالدفئ والأمان في بلد الأصوات – والتر بنيامين

ولكن بعد ظهور ثورة التكنولوجيا الرقمية مع ميلاد الألفية الثالثة ؛ هل تأثرت الإذاعة وقل نشاطها ومستمعيها خاصة بعد انتشار التلفاز والإنترنت وقنوات التواصل الإجتماعي ؟!

» قبل الإجابة على هذا السؤال ، دعونا نعرف ما الذي يُميز الإذاعة !

– سهلة وبسيطة :

استخدام المذياع لا يحتاج الى جهد ولا إلى دراسة وتعلم لأشهر ، فهو يمتاز بالبساطة والسهولة التي تجعل الطفل ذو السنوات العشر أو الكهل ذو السبعين والثمانين يمكنه استخدامه بسهولة .

– قليل يكفي :

فمستخدم الإذاعة لا يحتاج الى إشتراكات إنترنت بمئات الجنيهات أو الملايين لشراء تلفاز ، فبأقل تكلفة يمكنك السفر في فضاء الألاف من الإذاعات حول العالم .

– عابرة للقارات :

الإذاعة وبإشاراتها المختلفة سواء كانت FM و AM يمكنها الوصول الى كل مكان تقريباً فيسمعها من هم في المدينة ومن هم في القرى و الأرياف ، في الجبال ، وحتى من هم في المحيط يمكنكم الإستماع الى الإذاعة بكل سهولة .

وغيرها الكثير :

ناهيك عن الإمتيازات التي يتمتع بها المذيع ، فهو لا يحتاج الى الكثير غير صوته ، وحتى العُدة ! فبأقل أدوات يمكنك صنع إذاعاتك .

وأنت كمستمع يمكنك الإستماع الى الإذاعة في أي وقت ، أثناء القيادة ، في العمل ، في المكتب ، في المنزل ، ولصغر حجمها يمكنك حملها معك في كل مكان والإستماع لها أثناء أداء عملك دون أي جهد ، وببثها الدائم ل24 ساعة فالإذاعة هي صديقتك في كل الأماكن و الأزمان  ، وغيرها الكثير من المميزات سواء للمستمع أو المذيع ، ساهمت في جعلها محببة للملايين حول العالم .

وعودةً الى سؤالنا ؛ هل تأثرت الإذاعة بثورة التكنولوجيا الرقمية ؟!

» بكل تأكيد فالإجابة هي لا ، فالإذاعة استفادت هي نفسها بثورة التكنولوجيا الرقمية مع ظهور ما يسمى براديو الإنترنت الذي جعل الإذاعة موجودة في كل مكان وأي زمان ، في هواتفنا ، في تلفازنا ، في سياراتنا ، وفي كل مكان ، بل وجعلنا نستطيع الإستماع الى كل الإذاعات حول العالم من مكاننا ، فأنا في السودان يمكنني الإستماع عبر راديو الإنترنت إلى إذاعات جنوب أفريقيا وجنوب القارة الأمريكية .

الإذاعات الروسية واذاعات الصين وكل اذاعة في العالم إرتبطت بالإنترنت ، وصار بإمكان أي شخص إنشاء إذاعة على الإنترنت ونشرها إلى الملايين حول العالم بكل سهولة ويسر ودون الحاجة إلى معدات بث وأبراج وما شابهها متحرراً من كل الحواجز التي وقفت عائقاً أمام إنشاء الإذاعات ، فثورة التكنولوجيا الرقمية ساعدت بشكل كبير في تحرر الإذاعة وإتساع رقعتها .

الصوت الأعلى في العالم !

» ولك أن تتخيل عزيزي القارئ انه وبالرغم من كل هذه الثورة الرقمية فالإذاعة هي الوسيلة الأكثر إستماعاً حول العالم ! ، فتقارير لليونسكو والأمم المتحدة تقول أن عدد مستمعي الإذاعة تجاوز عدد مشاهدي التلفزيون ومستخدمي الهواتف الذكية وأي منصة ٱخرى بنسبة تفوق ال75% من سكان العالم ، بينما نصف سكان العالم تقريبا لا يزالون غير قادرين على الاتصال بشبكة الإنترنت !

وربما تقول لي أن هذه النسبة أسهمت فيها الدول النامية والفقيرة كونها الأكثر استغلالاً واستخداماً للإذاعة ، لذلك أعرض لك إحصائية أخرى جديدة في العام 2019 خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية تقول أن 92% ( 244 مليون) من الأمريكان يستمعون الى الإذاعة ! 71 مليون منهم هم من الشباب من عمر 18-34 .

“الإذاعة أداة لها مفعول قوي ، فحتى في عالم اليوم الذي تهيمن عليه الاتصالات الرقمية ، يصل صوت الإذاعة إلى عدد من الناس يفوق عدد من تصلهم أي منابر إعلامية أخرى ، والإذاعة وسيلة تنقل المعلومات الحيوية وتذكي الوعي بشأن القضايا المهمة ” – أنطونيو غوتيريش ، الأمين العام للأمم المتحدة

بعد هذا ؛ هل تظن أن إمبراطورية الإذاعة يمكن أن تنتهي ؟

» بالتأكيد لا ، فلأكثر من قرن ومنذ أن كان المذياع تلك الأله الخشبية الضخمة قبل أن يصغر حجمه شيئا فشيئا مع ظهور راديو الترانزستور الى أن اختفي في شكل تطبيقات أو برامج على الهواتف والأجهزة ، كانت الإذاعة هي ملاذ الإنسان الأول يستمع فيها الى روحه قبل المذيع ، يحدثه المذيع فيتخيل ما يجري ناسياً همومه ، يطربه صوت المغنية فيجد نفسه يتراقص طرباً والإبتسامة تُحي محياه ،يستمع الى الدراما الإذاعية فيجد نفسه أحد شخصيات النص ، فهي صديقة الانسان في كل الأماكن والأزمان .

يوم عالمي !

» كل هذا واكثر جعل ال13 من فبراير من كل عام هو يوم الإذاعة العالمي ، هكذا أعلن المؤتمر العام لليونسكو في دورته الـ36 تقديراً للدور الكبير والهام الذي لعبته وتلعبه الإذاعة في العالم .

فالإذاعة هي وسيلة قوية لتعزيز سبل الحوار والإصغاء ناهيك عن كونها وسيلة التعبير الأولى عن التنوع ونشر ثقافات الشعوب المختلفة وأصوتها بالإضافة الى إسهاماتها في نبذ التحييز والتمييز ، فالمستمع الى الراديو لا يعرف شكل ولون و جنس أو ديانة من يستمع له فهي تدعو الى تقبل وجهات نظرنا المختلفة ودياناتنا وأشكالنا والواننا مهما كانت .

باقية وصامدة ؛

» الإذاعة ورغم قدمها حافظت على نفسها ووقفت صامدة في وجه كل المتغيرات ؛ جاء التلفاز ، فقالت له أنا هنا صامدة ؛ أنا صوت التنوع والإختلاف ، سفيرة كل الشعوب والأعراق ومنك سأخلق منصة لنفسي .

جاء الإنترنت وقال انتهت امبراطوريتك ! قالت له أنا الحرباء التي لا تموت فمرحباً براديو الإنترنت وعبرك توسعت أمبراطوريتي . جاءت مواقع التواصل الإجتماعي قائلة انتهى زمانك ! ، فقالت : أنا التواصل والإجتماعيات وإسئلوا مستمعي عني ، ومنكم سأخلق الألاف من المنصات وأوسع رقعتي . فالإذاعة استفادت من كل التكنولوجيا حولها وخلقت منها منصات أخرى لتوسع رقعتها ، فالإذاعة صمدت و بالتأكيد ستصمد لعقود ، فهي مميزة جداً وما لها من مميزات يجعلها تقف وتقول :

أنا حاضرة ، باقية ، أنا السرعة والدقة ، أنا السهولة والبساطة ، أنا صوت المستمع قبل أن أكون محدثه ، أنا خيال المستمع وعقله ، ٱنا أحاسيسه ومشاعِره ، أنا التنوع ، أنا الثقافة قبل أن أكون الإعلام ، أنا المُنجية من كل سوء الدنيا ، ومن قال غير ذلك فاليخبرني .

“كلما فتحنا المذياع، أخذت الأحداث التي يستتبعها ذلك شكل معيناً من أشكال التعبير ، فالإذاعة ” تكلمنا ” حتى إذا كنا لا نسمع أحد ” – ثيودور أدورنو

_____
مصدر1 ، مصدر2 ، مصدر3 ، مصدر4 ، مصدر5 ، مصدر6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى