دراسةمجتمعمنوعات

هل جُنَّ علي عبداللطيف ؟!

القاضي الانجليزي : ما أسمك ؟

علي عبداللطيف 

القاضي الانجليزي : ما جنسيتك ؟

علي عبد اللطيف : سوداني 

القاضي الانجليزي : اقصد السؤال عن قبيلتك؟

علي عبد اللطيف : لا يهمني أن أنتمي إلى هذه القبيلة أو تلك فكلنا سودانيون يضمنا قطر واحد ونعمل من أجل هدف واحد هو تحرير بلادنا من سيطرتكم .

تُمر على السودان هذه الأيام ذكرى إستقلاله المجيدة التي مَهر الشعب السوداني الغالي والنفيس في سبيل تحقيق حياة الحرية والكرامة التي يبغونها .


والمتتبع لطريق إستقلال السودان لا بد أن يمر بعام 1924م ذلك العام الذي كان البداية الفعلية لتقرير المصير الذي حلم به الشعب السوداني ، وهنا أنا أتحدث عن ثورة اللواء الأبيض والقائد علي عبداللطيف ، ذلك الإسم اللامع في تاريخ السودان الحديث والذي قاد رفقة زملائه حرباً في سبيل تحرير البلاد من سيطرة بريطانيا .


الكثيرون ربما سمعوا بهذا البطل علي عبداللطيف وقصته الشهيره مع القاضي ولكن ما الذي جرى له بعد المحاكمة وهل فعلاً جُن علي عبداللطيف في المنفى ؟

علي عبداللطيف وثورة اللواء الأبيض

بعد المَهدية بدأت حِقبة جديدة من تاريخ السودان يوم دخل كتنشر بقواته معلناً إحتلال أرض النيلين وبداية عهدِ الحُكم الثنائي الإنجليزي – فعلاً – المصري – إسماً ، لتبدأ بعدها مرحلة أخرى من النضال في سبيل إستقلال السودان بطلها هذه المرة حركة المثقفيين السودانيين .

أُنشئت كلية غردون التذكارية – جامعة الخرطوم حالياً – في العام 1902م لتبدأ بعد سنوات من تخريج دُفعها الأولى حركة الفكر والثقافة في السودان ، فكانت جزور الوحدة الوطنية وشرارة التحرر التي ساهمت فيها صُحف مصر ليتكون السوداني المطالب بتقرير مصيره .

فنشأ نادي الخريجين في أم درمان ليوحد خريجي كلية غردون التذكرية ويكون منبراً للفكر والأدب ثم يدشن عدد من أعضاءه جمعية الإتحاد السوداني لتكون أول مسمار في نعش الإستعمار عبر خطاباتها الداعية إلى حق السودانيين في حُكمهم وتقرير مصيرهم ليأتي بعدها علي عبداللطيف حاملاً مطالب الامة السودانية وقائداً لجمعية اللواء الأبيض.

منو هو ؟

اقصى اليسار : علي عبداللطيف

شاب من قبيلة – السودان – ولد في العام 1986م لينشأ ويترعرع بين ثكنات العسكر والجيش مع دخول حملة كتنشر الى السودان فوالده كان جندياً في إحدى الوحدات العسكرية ، لتقوده الأقدار إلى الخرطوم بعد تقاعد والده في العام 1908م ليبدأ بعدها مشوار العلم والمعرفة.

فكانت الخلوة أولى محطاته متعلماً للكتابة والقراءة وحافظاً للقرآن الكريم ، ثم ينتقل بعدها الى مرحلة أخرى وهي القسم الإبتدائي لكلية غردون ليتاهل منها الى المدرسة الحربية المصرية ويتخرج منها في العام 1912م .

هنا بدأت حياته العملية متنقلاً بين عدد من مدن السودان وكانت ود مدني هي إحدى هذه المدن والتي ساهمت بشكل كبير في حياته السياسية حيث بدأت هنالك نزعته الأدبية الفكرية الثقافية تكبر وكان أيضاً يستغل إجازاته ليزور نادي الخريجين في أم درمان وأصبح عضواً نشطاً فيه ، ثم تحمله العسكرية ليستقر في أم درمان وتبدأ رحلة النضال من أجل الشعب السوداني وتحريره من قبضة الإستعمار .

مطالب الأمة السودانية

بعد إستقراره في أم درمان عام 1921م بدأ نشاط علي عبداللطيف السياسي ، وكان علي كما أسلفنا من مرتادي نوادي الفكر والأدب سواء كان ذلك في ود مدني أو أثناء إجازته مع نادي الخريجين في أم درمان ، وكان قريباً جداً من الحركة الوطنية التي بدأت في مصر منذ بدايات عام 1919م ، فكل ذلك بالإضافة إلى الجو الذي نشأ وترعرع فيه قاده إلى كتاب خطاب مطالب الأمة السودانية في العام 1922م.

فأرسل نسخة منه إلى جريدة الحضارة السودانية وأخرى إلى صحف مصر ومجلاتها ، جريدة الحضارة والتي وصفها الخريجون وقتها بأنها ( بوق للمستعمر ) لم تقم بنشر المقال إلا أن صحف مصر ومجالتها التي تسرب إليها نشرته على نطاق واسع ، وفي الوقت الذي كانت فيه الحركة السياسة في السودان ذا توجه إتحادي في مصر عبّر البطل السوداني عبر مقاله عن سُودانوية السودانيين حريصاً على عدم إذابة الكيان السوداني مؤكداً حقهم في تقرير مصيرهم قائلاً:

إن كانت الأمة السودانية في حاجة إلى من يرشدها لنيل الاستقلال ، فإن من حقها أن تختار بنفسها المرشد الذي تريد سواء أكانت مصر أم بريطانيا.

كما أحتج في مقاله على إثقال الحكومة لكاهل السودانيين بالضرائب، وعلى عدم إنصافها لسكان المديريات لاسيما أهل الجزيرة الذين انتزعت أرضهم لمشروع الجزيرة ، وسلمتها للشركات البريطانية ، وعلى احتكار السكر ، وقلة الوظائف الممتازة واحتكارها من قبل الإنجليز.

وكذلك وحرمان أهل البلاد المتعلمين الأكفاء منها ، وتطرق إلى نقص وقصور التعليم في كلية غردون والمدارس الأخرى ، وطالب بمزيد من التعليم وإلحاق السودانيين بوظائف عليا في سلك الخدمة المدنية .

وكالعادة لا شئ وقتها يمر هنالك دون علم الإستخبارات بها ، فقاموا بإعتقال القائد علي عبداللطيف وكانت المحاكمة الشهيرة التي أعلن فيها علي عبداللطيف عن قبيلته التي يفخر ويعتز بها وهي قبيلة ( السودان ) ليحاكم بالسجن لمدة عام ويخرج منه مواصلاً نضاله وهذه المرة بشكل علني مع جمعية اللواء الأبيض .

جمعية اللواء الأبيض والمنفى

بعد خروجه من المعتقل في عام 1923م قام البطل السوداني بالإتصال بقادة وأعضاء جمعية الإتحاد السوداني وهي جمعية سرية تأسست كنوع من أنواع المقاومة ليأسسوا مع بعض منهم جمعية اللواء الأبيض ذات التوجه الوطني العلني المطالب بتقرير مصير السودانيين ووحدة وادي النيل ، فكانت الجمعية التي ضمت في بدايتها حوالي المئة والخمسون عضواً بوق الوطنية الأول والمناضل لتحرير السودان .

بدأت الجمعية نضالتها بالخطابات العلنية إلى حكومة السودان ومصر مطالبة بحق تقرير المصير لشعب السودان ثم نظمت أول تظاهرة في الخرطوم في منتصف عام 1924م لتتبعها بتظاهرات حاشدة في عدد من مدن السودان الأخرى ثم تنفجر في شهر نوفمبر لتكتب هنالك نهايتها بعد إستخدام القوة المفرطة التي وصلت حد المدفعية والقنابل .

بعد أول تظاهرة كان إعتقال قادة جمعية اللواء الأبيض فحكم على البعض بالإعدام وأخرون بالسجن وكان الأخير من نصيب البطل ، فحكم عليه في المرة الأولى في عام 1924م بالسجن ثلاثة أعوام ثم يحُاكم بالنفى الى مدينة واو لمدة سبع سنوات في عام 1925م أي أنه كان من المفترض إطلاق سراح البطل السوداني في العام 1934م وهذا ما لم يحصل لماذا ؟ لان علياً أصيب بالجنون حسب أقوال الإدارة البريطانية ، فهل هذا صحيح !

د.كرويكشان يؤكد ” لا يوجد علامات جنون “

وفي كتابها  علي عبداللطيف وثورة عام 1924م  تروي الباحثة و الدكتورة يوشيكو كوريتا أنه بعد حلول عام 1934م كان من المفترض إطلاق سراح علي عبداللطيف لإنقضاء فترة حُكمه إلا أن عليَ كان ” غريب الأطوار أحيانا وغير طبيعي خلال سنوات سجنه في منفى مدينة واو “ في نظر الادارة البريطانية

و قامت الأدارة لتاكيد حديثها بعرض البطل السوداني على طبيب يدعى د.كرويكشان إلا ان النتيجة كانت مخيبة لأمالهم فقد قرر الطبيب انه ” لا يجد أي علامات جنون على علي عبداللطيف”! أي أنه كان سليم العقل ، ورغماً عن ذلك لمن تقم الإدارة البريطانية بإطلاق سراح البطل السوداني رغم أنه قانونياً كان يجب إخلاء سبيله معللة بأنها مجنون! .

علي يسافر الى مصر للعلاج !

في عام 1936م كان الإتفاق التاريخي بين مصر وبريطانيا التي نصت في إحدى بندوها على إطلاق سراح جميع الأسرى السياسين في مصر والسودان ، ولما كانت بريطانيا لا ترغب بإطلاق البطل السوداني معللة ذلك بجنونه !

بدأت الحكومة المصرية عام 1936م في محادثات جادة لنقل علي عبداللطيف إلى مصر للعلاج ! لتكلل بالنجاح في العام 1938م ليُحمل البطل السوداني على القطار وفي سِرية إلى قاهرة المُعز ليعلاج من الجنون الذي أتهم به ! .

حسن نجيلة يرى علي عبداللطيف

في كتابه ملامح من المجتمع السوداني يروي الباحث والكاتب الدكتور حسن نجيلة قصة مقابلته للبطل السوداني ، ويروي حسن نجيلة انه ورفقة بعض أصدقائه كانوا في إحدى المحطات بالقرب من شندي بانتظار القطار القادم من الخرطوم والمتجه إلى مصر لتوديع صديقهم الدكتور يوسف سلامة الذي كان من أميز الأطباء في السودان وقتها.

وكان الدكتور يوسف سلامه مقيماً معهم في شندي وكان من المفترض أن يسافر من المحطة بالقرب من شندي قبل أن يطلب في برقية مستعجلة بالسفر للخرطوم ليسافر من هنالك بدلاً من سفره من محطة شندي .

فبينما كانوا على رصيف المحطة توقف القطار ونزل منه على وجه السرعة جنديان مسلحان منعا الجميع من الإقتراب وحالة الإستغراب والذهول تخيم على أوجه الجميع لينزل من القطار صديقهم الدكتور يوسف سلامة ويسأله عن الذي يجري فيخبرهم :

 ” أن سبب استدعائه إلى الخرطوم هو أن يصحب علي عبداللطيف من سجن كوبر في الخرطوم إلى مصر “.

وفي أثناء حديثهم برز من على النافذة رجل أسود يرتدي – جلابية – بيضاء نظيفة حاسي الرأس مستدير الوجه ، فقال لهم الدكتور يوسف سلامة ” هذا هو علي عبداللطيف ! “

فسألوا يوسف سلامة هل صحيح أن الجنون أصابه ؟

فكان رده أنه صاحب علياً طوال رحلته ولم يُلاحظ منه أي سلوك غريب يدل على جنونه سواء حادثة واحدة فقط حين قدم إليه الطعام بلا الشوكة والسكين فأنفجر غضباً في وجه جرسون القطار معتبراً أن هذا إذلال وإهانة له ، أما غير ذلك فم ألحظ منه شيئاً فقد كان سليم العقل سوي وتصرافته كلها عادية .

وفاة البطل

بعد نقله إلى مصر للعلاج زارت العازة زوجة علي عبداللطيف المستشفى الذي يتعالج فيه ، لتؤكد مجدداً أن علي سليم العقل ليس به لوثة عقلية ! وتطلب من السلطات هنالك إخلاء سبيله ليعيش مستقلاً بنفسه إلا أن السلطات المصرية رفضت طلبها وقالت : ” أن حالتة الصحية لا تسمح له بذلك “.

ليتوفاه الله في عام 1948م وفاةً طبيعةً ! ويدفن هنالك في مصر لتنتهي بذلك حياة المناضل الذي أشغل مع رفاقه شعلة الحرية والكرامة والنضال مُعبداً الطريق نحو إستقلال السودان وحريته .

فهل جُن علي !

مما استدلنا به فالإجابة هي بالتاكيد لا ، فالكثير من المصادر تؤكد أن علي سليم العقل ليس به أي جنون .

وربما أن شائعات جنونه أطلقتها الإدارة البريطانية لتقف عائقاً بين علي ونضاله وتخمد نار الثورة في تلك الفترة ، فقد عرف عن علي حنكته السياسية وشخصيته القيادية المؤمنة بالقومية السودانية الرافضة لذل الإستعمار ، فمنذ مقاله مطالب الامة السودانية برز شخص علي وتوسع نفوذه ، فهو السوداني الذي يرفض التفريق بين قبيلة وأخرى حامل لواء السودانوية.

زوجة على عبد اللطيف

فمواقفه السياسية المختلفة وتفكيره القيادي جعل منه البطل السوداني المنادي بالحرية المطالب بإستقلال السودان والدليل على مكانته وشعبيته أن إحدى التظاهرات الحاشدة جداً التي خرج فيها طلاب المدرسة الحربية في عام 1924م توجهت إلى منزل علي عبداللطيف لإلقاء التحية العسكرية عليه في الوقت الذي كان هو حبيس معتقلات الإدارة البريطانية.

فعلي كان قائداً بكل ما تحمله الكلمة من معنى وربما هذا كله ما جعل كلمة المجنون عِلة لإيقافه من دق المسمار الأخير على نعش الإدارة البريطانية في السودان .

أما ما يقال من البعض بأن علي تصرفاته كانت غير طبيعة فهذا صحيح بالتأكيد ، فعليٌ لم يكن منذ ولادته طبيعاً ، فالطبيعي وقتها هو الإنصياع للإدارة البريطانية وحُكمها وما غير ذلك فهو منافي للطبيعة ، عليُ الذي أمتنع عن تحية الضابط البريطاني أثناء خدمته كان تصرفه غير طبيعي.

والذي أَرسلَ لوحده خطاب مطالب الأمة السودانية وهو يعلم أنه سيسجن على إثره يعتبر غير طبيعي ، وعليٌ الذي أفتخر بقبيلته – السودان – في وقت سياسة فرق تسد التي أتخذها الإنجيلز نافى الطبيعة ، وعلي والذي فور خروجه ينشئ جمعية اللواء الابيض موجهاً أسهم الحرية على صدور الإدارة البريطانية يعتبر تصرفه هذا ضرباً من الجنون .

فإذا كانت هنالك ما هو غير الطبيعي في تصرفات البطل السوداني هو أنه وقف أمام إدارة الذل والإهانة وقتها مطالباً بحرية شعبه وكرامته رافضاً للإستعمار مؤمناً بوطنيته فخوراً بقبيلته التي أسماها السودان .

و ليذكر التاريخ أبطالاً لنا

عبد اللطيف وصحبه

غرسوا النواة الطاهرة

و نفوسهم فاضت حماساً كالبحار الزاخرة

من أجلنا ارتادوا المنون

و لمثل هذا اليوم كانوا يعملون

غنوا لهم يا أخوتي

و لتحيا ذكرى الثائر

وثائقي عن علي عبداللطيف

مصادر مواقع

اول، ثاني

مصادر كتب

علي عبداللطيف وثورة عام 1924م ، ملامح من المجتمع السوداني، السودان المأزق التاريخي وأفاق المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى