ثقافةطبيعةمجتمعمنوعات

وادي حلفا المغرق ما بين الماضي و الحاضر!

منذ ان ولدنا وجدنا ارواحنا تحب موطننا بل ونعشق تربته ، فالوطن كما تقول الحكمة ، حبه من الإيمان ، فـهو الأمان و الحنان الذي تربينا عليه وسط أهالينا، أجدادنا ، تراثنا و حضارتنا ، فلا أحد يستطيع أن يسـُلبنا حبه و لو إستطاعوا فـبالتأكيد يوماً ما سنسترده حسنةً أو قوةً.

احد مواطني حلفا القديمة يقف على اطلال المدينة الغارقة
احد مواطني حلفا القديمة يقف على اطلال المدينة الغارقة

لكن ماذا لو تم إغراق بلدتك قصداً، بل ماذا لو كان بقبول من يفترض ان يحموك؟

خرج سكان مدينة حلفا القديمة في شمال السودان في يونيو 1964، بعد أن تلاشت مدينتهم غرقاً أمام أعينهم في تضحية نادرة قبلت بها الحكومة السودانية بأن يتم إغراق المدينة في بحيرة السد العالي لتتمكن الحكومة المصرية من تشييده و على أثره تم تهجير معظم سكانها النوبيين إلى منطقة حلفا الجديدة في البطانة بشرق السودان. ولكن يدخل إليها اليوم من بوابتها ذات التصاميم النوبية القديمة عشرات العائدين.

أين يقع وادي حلفا؟

وادي حَلْفَا مدينة في أقصى شمال السودان تقع في الولاية الشمالية على بعد 909 كلم من العاصمة الخرطوم شمالا، و345 كيلو متر جنوب مدينة أسوان بمصر، وتعتبر بوابة السودان الشمالية وأولى مدنه المرتبطة بمصر وما بعدها شمالاً منذ قرون طويلة ، وسنة 2014م افتتح معبر قسطل الرابط بين حلفا وأسوان براً للمرة الأولى في عصر الجمهورية.

قامت حلفا في منطقة حضارات قديمة في مقدمتها الحضارة النوبية فـالرومانية و المسيحية والإسلامية وتأثرت ببناء السد العالي في منتصف القرن الماضي في مصر حيث غمرتها مياه بحيرته وهُجّر سكانها إلى شرق السودان، قبل أن يُعاد إحياؤها مجدداً وتطويرها على ضفاف بحيرة السد المعروفة باسم بحيرة النوبة (بحيرة ناصر في مصر).

ما سبب تسميتها بوادي بـحـلـفا؟

تذكر بعض الروايات أن الاسم حَلْفَا مشتق من موقعها على واد تكثر فيه نبات الحلفاء، إلا أن هناك من يرى بأن كلمة وادي هي تحريف للفظ «آد» النوبية وتعني البحر أي النهر وكانت حلفا تسمى آد حلفا، ثُمّ حُرّف الاسم فأصبح «وادي حلفا» ، وتُعرف المدينة أيضاً باسم حلفا القديمة ، لتمييزها عن حلفا الجديدة الواقعة في منطقة خشم القربة بشرق السودان ، كما يطلق عليها اختصاراً حلفا.

تاريخها

حلفا من المدن التاريخية التي يعود عهدها إلى الحضارة النوبية القديمة، وكانت تعج بالأثار النوبية الفرعونية والمسيحية ، نشأت في البداية بين الشلالين الأول والثاني في موقع بوهين القديمة عاصمة الأسرة النوبية الثانية، على الضفة الشرقية لنهر النيل. وكانت تعرف بالتوفيقية نسبة إلى الخديوي توفيق باشا.

رب ضارة نافعة

بعد إغراق الوادي و تهجير سكانه بنحو ما يقارب الخمسين سنة ، جعلهم هذا يبحثوا عن سبل أخرى لكسب قوتهم ، فقبل التهجير لبناء السد العالي ، كان إعتمادهم الأساسي على التجارة ن لكن قدر الله لهم أن يتوجهوا للزرعة فإزدهرت أعمالهم فيها و كان أكبر مكسب نالوه بعد كارثتهم فأدت دور مهم في رفع إقتصاد المنطقة فهي تزرع القمح و الخضار وغيرها وتنتج محاصيل وافرة عالية الجودة.

و كما يقول الأستاذ يونس محمد عبدالمجيد رئيس اتحاد جمعيات بحيرة النوبة التعاونية الزراعية، هي أراضي المنطقة التي غمرتها المياه إبان بناء السد، وتقدر بنحو 630 ألف فدان. وقد انحسرت عنها المياه مخلفة فوقها أطناناً من الطمي.

ويصف معتمد حلفا هذه الأراضي بأنها عالية الخصوبة، مراهناً على أهميتها في مستقبل السودان الزراعي، بعدما أنتجت خصوبتها حبـات بطاطا تزن كيلوغراماً كاملاً. وقال: «لم تبذل سابقاً جهود لاستغلال هذه الأراضي تجارياً، ولكن حالياً هناك خطوات عملية لمستثمرين في مشاريع كبيرة على مساحات واسعة بجميع أنواع المحاصيل.

غير أن رئيس اتحاد جمعيات بحيرة النوبة التعاونية الزراعية يقول إن مساحات هذه المناطق غير ثابتة، إذ قد تزيد أو تنقص بحسب كميات المياه في السد العالي. فكلما حدث فيضان وزيادة في مستوى المياه في بحيرة السد ازداد احتمال غمر أراضي الفيض بالمياه، والعكس صحيح. وهذا ما حدث في جفاف 1984 وفيضانات 1992.

وهذه الحالة دفعت الاتحاد الى اعتماد المرونة في تمليك هذه المساحات واستخدامها وزراعتها.

إنشاء السد العالي

في 8 نوفمبر 1959 م وقعت حكومتي السودان ومصر على اتفاقية مياه النيل بهدف التحكم على إنسياب مياه نهرالنيل والاستفادة القصوى منها. وخلافاً لحصة المياه التي حصلت عليها مصر بمقتضى الاتفاقية (55,5 مليار متر مكعب مقابل 18,5 مليار متر مكعب للسودان).

فقد اتاحت الاتفاقية لمصر فرصة بناء سد ضخم عند اسوان لتحقيق تلك الأهداف، ونتج عن بناء السد تكوّن أكبر بحيرة صناعية في العالم خلفه تمتد مساحتها إلى داخل حدود السودان بمسافة تقدر بحوالي ستمائة كيلو متر (ما يعادل 28% من مساحتها الإجمالية تقريباً) لتغمر المياه بلدة وادي حلفا وما جاورها من قرى ومناطق زراعية وآثار قديمة.

باخرة على اطلال مدينة حلفا الغارقة
باخرة على اطلال مدينة حلفا الغارقة

بدأ العمل في السد العالي في يناير عام 1960، بعد شهرين فقط من توقيع اتفاقية مياه النيل، واكتمل بعد عشرة أعوام ونصف في يوليو عام 1970 بتكلفةٍ قاربت الـ 600 مليون دولار. يبلغ طول السد 4,000 متر وعرضه 1,000 متر، بينما يبلغ ارتفاعه 110 متر، وتبلغ سعة البحيرة التخزينية للسد 162 مليار متر مكعب من المياه (أي ما يساوي حوالي ضعف حمولة النيل السنوية المقدّرة عند أسوان بـ 84 مليار متر مكعب).

ويبلغ طول البحيرة وراء السد (والتي سُمّيت بحيرة ناصر) 550 كيلومتر (حوالي 150 كيلومتر منها داخل الحدود السودانية وتُعرف بـ بحيرة النوبة)، وعرضها 35 كيلومتر، مع مساحة سطحية تُقدّر بحوالي 5,250 كيلومتر مربع. وقد كان السد العالي عند اكتماله عام 1970 أكبر سدٍّ في العالم، وكان وما يزال أكبر سدٍّ على نهر النيل، ولكن سوف يتفوّق عليه سد النهضة الاثيوبي عند اكتماله.

ظلّ السد العالي خط الدفاع القوي لمصر ضد الفيضانات والجفاف، والمنظّم الأول لعمليات الري الشاسعة في مصر، وأصبحت بحيرة ناصر مصدراً كبيراُ للثروة السمكية. كما أن السد يُولّد حوالي 1,200 ميقاواط من الطاقة الكهربائية وينظّم ويسهّل الملاحة على نهر النيل داخل مصر.  

أرغم السد العالي حوالي 70,000 من النوبيين المصريين، و50,000 من النوبيين السودانيين على النزوح. وقد اشتكى  النوبيون المصريون من عدم استشارتهم أو مشاركتهم في أيٍ من القرارات التي تعلّقت بتهجيرهم القسري، وعن سوء أوضاعهم بعد التهجير، بل وحتى استمرار تدهورها. وقد علتْ أصوات النوبيين المصريين المهجّرين بعد ثورة 25 يناير عام 2011 مطالبةً بمراجعة أوضاعهم وتعويضاتهم.

رغم أن السد العالي لم يكتمل حتى عام 1970، إلاّ أن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 ألزمت حكومة السودان “بأن تتخذ اجراءات ترحيل أهالي سكان حلفا وغيرهم من السكان السودانيين الذين ستُغْمَرْ أراضيهم بمياه التخزين بحيث يتم نزوحهم عنها نهائياً قبل يوليو سنة 1963.”

تسهيلات لعودة أهاليهـا

التهجير القسري لسكان وادي حلفا
التهجير القسري لسكان وادي حلفا

تسهيلاً لعودة الراغبين وتسلم أراضيهم، لا تلتزم السلطات المحلية حرفياً بالشروط واللوائح الحكومية المنظمة بحسب ما ذكره المعتمد عثمان، مضيفاً: «البعض أكثر جدية في العودة والاستقرار والإقامة المستمرة في المنطقة، وهؤلاء يُسلَّمون أراضيهم فوراً قبل سواهم. وقد تم تسليم نحو 414 قطعة أرض من جملة 1450 قطعة تم تخطيطها».

في كثير من الحالات تتيح السلطات المحلية لبعض المجموعات السكانية إحداث إضافات عمرانية في مخططات مناطقهم، حرصاً على تلبية رغباتهم في توفير المنافع وإضفاء الخصوصية التي كانت تتمتع بها هذه القرى سابقاً. ويتم التوزيع الداخلي بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني.

حلفا الآن مفتوحة لأي حلفاوي، بل لأي مواطن من السودان. وقد بدأ يأتيها بعد إعادة أعمارها العديد من الأشخاص الذين لا تربطهم علاقة سابقة بالمنطقة. وهؤلاء يساهمون في وضع ملامح منطقة جديدة اسمها وادي حلفا.

يتفاءل كثيرون بانتهاء معاناة السكان، التي يمكن قياسها بتجربة أولئك الذين آثروا البقاء في مرتفعات واديها بعد غرقها، من دون أي خدمات. وتنعم المدينة وسكانها الجدد بالخدمات الضرورية المتوافرة في المدن، وأهمها مستشفى بعدة تخصصات، وخدمات للصحة العلاجية والوقائية والنظافة العامة، وعدة مدارس ابتدائية وأربع مدارس ثانوية وكلية جامعية، وشبكة من الطرق الداخلية المعبدة يبلغ طولها 27 كيلومتراً وأخرى قومية تربط الوادي بمدن السودان.

السياحة الآن بوادي حلفا

جزيرة صاي النيلية
جزيرة صاي النيلية

و توجد عدة مواقع ومعالم سياحية أهمها: مواقع أثرية في جزيرة صاي، بحيرة النوبة، حمامات عكاشة، واحة سليم، قرية وادي حلفا السياحية، آثار بوهين.

ماذا تبقى من آثارها

قامت المدينة في منطقة تحتوي على العديد الآثار النوبية وأبرزها هي آثار معابد بوهين وسمنة شرق وسمنة غرب وكاتدرائية فرس وقد نُقلت إلى المتحف القومي في الخرطوم.

المصـادر
الاول ، الثاني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مدينة وادي حلفا الحالية تدعى بمدينة الصمود، نعم صمدوا و صبروا على معاناة شديدة إلى أن تمكنوا من بناء مدينة أخرى تتوفر فيها جميع الخدمات.
    ⁦❤️⁩وادي حلفا⁦❤️⁩
    و من هنا أهنئ كل النوبيين بحلول عيد الأضحى المبارك
    كوريقون انج نلنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى